الوجه الثاني: أن قوله: ( «ولا يكتوون» ) أعمّ من أن يسألوا ذلك أو يُفعل بهم ذلك باختيارهم، لأن يكتوون كأننا فسرنها بماذا؟ بما يدل على الطلب، مثل ما سبق ارتقيت واسترقيت، أفتعل تأتي بمعنى استفعل، حينئذٍ يكتوون هذا فعل مضارع اكتوى أصله، اكتوى يكتون، حينئذٍ أفتعل قد تأتي بمعنى استفعل، ويستفعلون، فهل يحمل هذا على ذاك؟ قلنا: القاعدة أنه إذا جاء افتعل يحمل على دلالة الفعل أو اتصاف الفاعل بالحدث الذي دل على الفعل، ولا يكون طلبًا إلا بزيادةٍ، وإذا كان كذلك كونه استعمل في لسان العرب افتعل بمعنى استفعل، نقول: لا يصرف إليه إلا بقرينة. وهنا لا توجد قرينة فحينئذٍ الأصح أن يُحْمَل ( «ولا يكتوون» ) على الإطلاق، وهذا الذي رجحه صاحب (( الفتح ) )حينئذٍ لا يكتوون أعم من أن يسألوا ذلك، أو يُفعل بهم ذلك باختيارهم فيعمّ. نعم ( «لا يسترقون» ) لا يطلبون الرقية، أما ( «ولا يكتوون» ) ، نقول: لا هنا عام. لا يكوي نفسه ولا يأذن لغيره إذا لم يطلب، ولا يطلب فهو عامّ، فإذا فعل واحدة من هذه الثلاث خرج عن السبعين، بخلاف ( «لا يسترقون» ) ، وعليه فثَمَّ فرق بين الرقية والكيّ، فأما الرقية فالأفضل ترك طلبها لنص الحديث ( «لا يسترقون» ) والسين للطلب، وأما الكي فتحقيق التوحيد هو تركه بالكلية، لنص الحديث الذي معنا ( «لا يكتوون» ) وليس ثّمَّ ما يدل على الطلب، إذ ليس فيه ما يدل على الطلب فيحمل على عمومه، يكتوون هذا فعل مضارع وهو متضمن لنكرة في سياق النفي فيعمّ، نبقى على الأصل نحتاج إلى دليل مخصص لهذا العموم بحيث يجعله خاصًا بالسؤال، نقول: هذا عدم وجوده يدل على. .، فالكي في نفسه مكروهٌ سواء كان عن طلبٍ أو لا، والطلب في الكي يزيده كراهية بخلاف الرقية، فالمكروه فيها هو طلبها، ويدل على الكراهية قوله - صلى الله عليه وسلم: «وأنا أنهى عن الكي» . مطلقًا الكيّ مطلقًا أنهى عن الكي فدل على أنه هو الأصل فيه التحريم وصرف بالقرائن السابقة إلى الكراهة، حينئذٍ كل كيٍّ فهو مكروه، هذا هو الأصل، فهو سببٌ مأذون فيه لكنه مع الكراهة، هو علاج لكنه ماذا؟ مكروهٌ، والأصل في النهي أن يحمل على التحريم لكن صرف للكراهية لفعله - صلى الله عليه وسلم -، ويدل على التفريق بين الرقية والكي أنه رقَى ورُقِي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال في الكي: «وما أحب أن أكتوي» . أكتوي عام يعني: يكوي نفسه أو يكويه غيره دون طلبٍ أو مع طلبٍ فهو عام، «وما أحب أن أكتوي» جاء بصيغة الفعل المضارع، ثُمَّ هو نكرة في سياق النفي، وهذا ليس فيه طلبٌ، ويدل على هذا - معنى القول الثاني وهو الأرجح - قول البخاري رحمه الله تعالى: باب من اكتوى أو كَوَى غيره وفضل من لم يَكْتَوِ. جمع بين الثلاثة باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتوِ هذا التبويب يدل على ترجيح البخاري للقول الثاني، وهو أنه لا يكتوون مطلقًا.
قال الحافظ في شرحه: كأنه أراد أن الكيّ جائزٌ للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره هذا عام، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه وفضل تركه من قوله: «وما أحب أن أكتوي» . إذًا هذا قول هو ظاهر صنيع البخاري وتبويبه فيما ذكر.
قال الحافظ رحمه الله تعالى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وما أحب أن أكتوي» . فدل على أنه لم يكتوِ فهل اكتوى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ محل خلاف مع كون النص واضح بَيِّن. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أر في أثر صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتوى إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب (( أدب النفوس ) )للطبري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتوى، نسبة مجهولة ونبقى على الأصل وهو عدم الاكتواء. وذكره الحليمي بلفظ رُوِيَ أنه اكتوى بالجرح الذي أصابه بأحد. أنه رُوِيَ تضعيف أنه اكتوى بالجرح الذي أصابه بأحد.