قلت: قال الحافظ قلت: والثابت في الصحيين أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه وليس هذا الكي المعهود. إن كان مقصود الحليمي هو هذا فليس هو هذا الكي المعهود المعروف الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنما هذا نوع علاج، وجزم ابن سيرين بأنه اكتوى. وعكسه ابن القيم في الهدي، والصحيح أنه لم يثبت أنه اكتوى، ويدل على ذلك «وأنا أنهى عن الكي» . «وما أحب أن أكتوي» . فإذا لم يرد نص أنه اكتوى فحينئذٍ نبقى على الأصل، واضح من هذا؟
ثم قال: ( «ولا يتطيرون» ) وهذه سيأتي لها بابٌ خاصٌ بها. ( «ولا يتطيرون» ) يعني لا يتشاءمون ( «يتطيرون» ) يتفاعلون مأخوذ من التطير. الطيرة، وسيأتي بابٌ خاصٌ بها لكن جمعها مع ( «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» ) لا يدل على أن الأصل فيها الإباحة، بل الأصل فيها التحريم كما سيأتي في محله. قال: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) . هذه هل هي صفةٌ رابعة، أم أنها تعليلٌ لما سبق؟
فيه وجهان، وظاهر النص أنها صفة رابعة، وإن كان ما سبق داخلٌ فيها إلا أنه يكون باب عطف العام على الخاص.
( «وعلى ربهم يتوكلون» ) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والرجاء والخوف والرضا به ربًّا وإلهًا والرضا بقضائه، وقيل: بل هي صفة مستقلة وهي صفة الرابعة. وقال في (( التيسير ) ): وأعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب. لأن الرقية سبب في الشفاء والكي كذلك سببٌ في الشفاء، أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه الجهلة، الأئمة الصوفية وغيرهم فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمرٌ فطريٌ ضروري لا انفكاك لأحدٍ عنه، حتى الحيوان البهيم بل نفس التوكل مباشرةٌ لأعظم الأسباب كما قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] . أي كافيه، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكرهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، إذا المكروه أسباب ليست مباحةً مطلقًا وإنما هي مكروهةً، حينئذٍ لهذه الكراهة يتركون توكلًا على الله عز وجل، وإذا كان كذلك فحينئذٍ هذه علة عامة، فكل ما كان مكروهًا ولو كان في الأصل جائزًا يكون تركه محققًا للتوحيد وهو من السبعين الذين ذكروا في الحديث، وسيأتي بحثه.
وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببًا لكن لكونه سببًا مكروهًا لهذا القيد لا سيما والمريض يتشبث في ما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعًا لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» . وعن أسامة بن شريك قال: [كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم] كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: «نعم تداووا نعم يا عباد الله تداووا» . هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، لكنه مصروف إلى الاستحباب لأنه وقع في جواب السؤال صار إرشادًا. هذه من القرائن الذي تصرف صيغة أفعل عن الوجوب إلى الاستحباب، أنتداوى؟ هذا سؤال: «نعم تداووا» هذا فيه إرشاد وفيه استحباب، «فإن الله عز وجل لم يضع داءٍ إلا وضع له شفاء غير داءٍ واحد» . قالوا: وما هو؟ قال: «الْهَرَم» . رواه أحمد وغيره. فالأمر بالتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه فيه دفع ألم والجوع والعطش، والحر والبرد وأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وسيأتي بحث الأسباب في موضعه.
وقد اختلف العلماء في التداوي هل هو مباحٌ وتركه أفضل، أو مستحب، أو واجب. ثلاثة أقوال:
مباح وتركه أفضل. وهذا المذهب عندنا.
الثاني: مستحب.
والثالث: الوجوب.