فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 2014

قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذي يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا. واختار هذا ابن عبد البر، بمعنى أن قوله عليه الصلاة والسلام: ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون» ) في حال الصحة ليسوا مرضى وإنما خشوا من الوقوع في الداء أو ينزل به الداء فاكتوى أو أنه طلب الرقية، وأما إذا وقع به الداء وحينئذٍ إذا اكتوى لا بأس ولا يكون منافيًا للتوكل ولا يخرج به عن السبعين، وكذلك الاسترقاء إذا استرقى وهو في حال الصحة خشيت أن يحل به الداء قال: هذا الذي جاء منه أو جاء فيه المنع وإذا فعله خرج عن السبعين، وأما إذا وقع به الداء ونزل وحل به ثم استرقى فهذا لا يعتبر منافيًا للتوكل.

هذا فيه نظر، لماذا؟ لأن النصّ عام قال: ( «لا يسترقون ولا يكتوون» ) ، ( «لا يسترقون» ) وجه العموم، ما هو وجه العموم؟ ( «لا يسترقون» ) ها، كيف وجه العموم الواو للجمع، ها؟

نقول: النص عام في حال الصحة وفي حال المرض، لكن ما وجه العموم؟

فعل مضارع متضمن لمصدر، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمّ. ولذلك كما سبق قوله تعالى: {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، {وَلاَ تُشْرِكُواْ} نقول: هذا من صيغ العموم، قد نهى الله عز وجل عن الشرك مطلقًا كبيره وصغيره وخفيه، ما وجه العموم؟

نقول: {تُشْرِكُواْ} فعل مضارع وهو منسبقٌ من مصدر، والمصدر الأصل أنه نكرة وقد وقع في سياق النهي حينئذٍ تعم، والنكرة في سياق النفي تعم، من صيغ العموم وكذلك في سياق النفي.

هنا: ( «لا يسترقون» ) هذا عام، لا يسترقي في حال الصحة ولا في حال المرض، هذا الجواب في نظر. واعترض بثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء، هذا على القول بأن الاستعاذة تعتبر من الرقية، يعني الإنسان يستعيذ، يجلس في صلاة الفجر ويذكر بعد ذلك الاستعاذة، وحينئذٍ يكون لشيءٍ مستقبل لم يقع فيه، أليس كذلك؟ يستعيذ قبل حلول المرض أو قبل حلول الداء، هل هذا منافٍ للتوكل؟ الجواب: لا، لأنه واردٌ. وذهب الخطَّابيّ إلى أن المراد بالحديث يعني: بترك الرقى أو الكي الاعتماد على الله تعالى في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب. بمعنى أنه لم يبلغ حقيقة التوكل إلا إذا ترك هذه الأسباب الْمُعَيَّنَة، وإن عممنا نقول: الأسباب مطلقًا حينئذٍ ليس في هذا النص أو ليس في هذا فائدة من هذا النص أنه تترك الأسباب الكلية، وليس فيه تنافي بين تعاطي الأسباب، بل تعاطي الأسباب جائز، ثم الأكمل في حق المرء أن يترك الأسباب، ولكن هذا فيه نظر. نظر كبير؟ وهو أنه إذا كان المراد مطلق الأسباب نقول: هذا قادحٌ في التوحيد، ترك الأسباب مطلقًا يُعتبر قادح في التوحيد، وإن كان المراد تخصيص ما ذُكِر لأنه ورد فيه النص حينئذٍ لا إشكال فيه، ولذلك إذا أردنا أن نسلم من كثير من الاعتراضات نقول: الأصل أنه ما نصّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يبقى عليه التنصيص، وما عداه يبقى على الأصل، فالتداوي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا حينئذٍ خصّ بعض الأشياء التي يُتَدَاوى بها وبين أنها تنافي التوكل أو كمال التوكل وهي الاسترقاء والاكتواء حينئذٍ نبقى على هذا، وما عداه يبقى على أصله هذا الذي ينبغي الاعتماد عليه، ولذلك قال هنا: ولا يقدح ذلك في جواز ما ذُكِرَ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، لكن يُقيد بما ذُكِر يعني: ترك الاسترقاء أو الرقية والاكتواء والتطيب نقول: هذا أولى من تعاطي الرقية أو الاسترقاء أو الاكتواء، لماذا؟ لأن فعل هذه الأشياء ينافي كمال التوكل، غير هذه الأسباب نقول: تعاطيها هو كمال التوكل، واضح؟ غير الاسترقاء والاكتواء تعاطيها هو الذي يعتبر كمالًا للتوكل، وأما التعميم هذا فيه نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت