فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 2014

قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء الْمُعْرِضِين عند الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان كامل التوكل يقينًا فلا يؤثر في تعاطي الأسباب شيئًا. نعم، لكنه فعله يعتبر تشريعًا هذا هو الأصل ولذلك نجعل التعارض بين قوله: «لا يرقون» وبين فعله وأمره، حينئذٍ نحتاج إلى الجمع بينهما على ما ذكر سابقًا، وأما ما عداه فالأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتبر تشريعًا، كما أنه قد تعاطى الأسباب بدفع الجوع بالأكل، والعطش بشرب الماء ونحو ذلك، وطلب الولد بالجماع كلها أسباب تعاطيها هو كمال التوكل، وأما ما ذكر نصًا فهذا الذي ينبغي استثناءه، والتعميم هو الذي أوقع حرجًا في هذه المسألة لأن قوله: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) هذه عِلّةٌ عامة الأصل في المسلم أنه يتوكل على ربه مهما تعاطى الأسباب. نقول: كذلك إذا تعاطى الأسباب في غير ما ذُكِرَ ينبغي أن يكون قلبه معلقًا بربه جل وعلا، وأما أن يكون تركه إلحاقًا بما ذُكِر وهو الذي يُعتبر كمالًا في التوكل هذا ليس بجيد، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينًا فلا يؤثر فيه تعاطى الأسباب شيئًا. نعم، النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك لكن يُعتبر الأصل في فعله أنه تشريع، وأما هذه الأمور فتأخذ من النصوص العامة لأن التوكل أمرٌ قلبي فما دام أن الله عز وجل أمر بالتوكل فجعله شرطًا في تحقيق الإيمان، فحينئذٍ نقول: الأصل بقاؤه على كماله، وتعاطي هذه الأسباب مع الاعتماد على الله عز وجل والثقة به هو حقيقة التوكل وهو بلوغ الغاية في التوكل، وأما ترك هجر الأسباب بحجة التوكل وتحقيق التوكل نقول: هذا ليس من الشريعة في شيء. بخلاف غيره غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب وفوَّض وأخلص في ذلك كان أرفع مقامًا، وهذا الكلام في تعميمه نظر. فقول الخطَّابيّ: أن يكون تركها على جهة التوكل على الله تعالى والرضا بما يَقْضِيه وينزل به من بلاء. نعم، فيما ذكر الاسترقاء والاكتواء نعم، يعتبر مقام التسليم والرضا بما كتبه الله عز وجل من بلاء دون تعاطي هذه الأسباب هو حقيقة التوكل، وهذا النص يُعتبر تخصيصًا لما يُعتبر من النصوص العامة الدالة على أن الأصل في المسلم أن يتعاطى الأسباب، وهذه تخص دون غيرها. فترك السبب الذي هو الرقية أو الاسترقاء أو الاكتواء هذا كمال؛ لأن فيه تسليم وفيه رضا بما كتبه الله تعالى على العبد، وما عداه فلا، يعني: لو أراد أن يأخذ العسل وقيل له: هذا الدواء العسل يُعتبر رافعًا بإذن الله تعالى لهذا الداء. هل تركه يعتبر بلوغًا لغاية التوكل أو تعاطيه؟ تعاطيه، نعم، لذلك إذا لم نعمم وجعلنا الحديث خاصًا بالاسترقاء والاكتواء نقول: تعاطي هذا العسل من أجل رفع الداء هو حقيقة التوكل، وأما تركه لأنه سبب ويكون هذا الترك تسليمًا لقضاء الله عز وجل وقدره ويكون أرفع مقامًا، نقول: هذا فيه نظر وليس بصحيح.

قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا هو ظاهر الحديث ألا ترى قوله: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) نقول: هذا تعليلٌ لما ذكر، وأما تعميمه نقول: هذا معارضٌ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعاطى الأسباب وخاصةً في مقام الدواء والتداوي، نقول: أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت