إذًا نخلص من هذا أن الظاهر والله أعلم أن الاقتصار على ما ذُكِرَ يعتبر هو الصحيح، وإنما عداه يبقى على أن التعاطي بتلك الأسباب هو المحقق لكمال التوكل وليس الإعراض عنها يُعتبر محققًا للتوكل، وأمّا من عمم أكثر الشراح لهذا الحديث سواءٌ كان شراح (( كتاب التوحيد ) )أو غيره النووي وغيره ... #21.40 وكذا عمموا الحديث قالوا: كل سبب حينئذٍ الأولى عدم تعاطيه، وعليه حينئذٍ يكون كل سؤالٍ من المخلوق للمخلوق حينئذٍ يكون الأصل فيه عدم السؤال، وخاصةً إذا صاحبه نوع من التذلل والاستعطاف ونحو ذلك، لأنه فيه ماذا؟ فيه التفات القلب إلى غير الله تعالى وهذا منافٍ للتوكل، التوكل أن يكون القلب معلقًا بالله عز وجل ولا يلتفت إلى مخلوق بوجهٍ من الوجوه، فأي التفاتٍ إلى المخلوق حينئذٍ يعتبر نقصًا في تحقيق توكله، أي التفاتٍ إلى المخلوق يعتبر نقصًا في تحقيق التوكل، ولذلك فصَّلوا في هذه المسائل فقالوا: السؤال يعني الطلب من مخلوق إلى مخلوق إما أن يكون على وجه الاستعطاف والاستذلال أو لا؟ إما أن يكون فيه نوع استعطاف واستذلال - يعني: أن تشعر بأنك أقل من المسئول - هذا يُسمى ماذا؟ يسمى استعطافًا ويسمى استذلالًا، وتعطني مال وأنت تشعر بأنك أقل منه هذا يسمى ماذا؟ استعطافًا واستذلالًا، وإن لم يكن بأن تشعر بأنك مساوي له أو أنك أعلى منه وطلبت منه هذا ليس فيه استعطاف ولا استذلال، حينئذٍ السؤال إما أن يكون على وجه الاستعطاف والاستذلال أو لا؟ وعلى كلٍّ النوعين إما أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين، فما كان من سؤال الدين يعني: طلب العلم طلب الفتوى هذا لا بد أن يكون معه نوع استعطاف واستذلال، ولذلك لا يتطلب العلم مع الكبر، وإنما لا بد أن يكون عنده نوع تواضع، فما كان من سؤال الدين فلا حرج فيه مطلقًا، السؤال سألت صاحبك وليس سؤال فيه استعطاف ولا استذلال هذا مباح ولا إشكال فيه وليس منافيًا للتوكل، تسأل من هو أكبر منك علمًا حينئذٍ يكون فيه نوع استعطاف نقول: هذا ممدوحٌ وليس بمذموم، لعموم قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] . فما كان من سؤال الدين فلا حرج فيه مطلقًا كسؤال العلم مع الاستذلال والاستعطاف، فهذا لا يُنقص تحقيق التوحيد مطلقًا، بل أجمع أهل العلم أن العلم لا يطلب مع الاستكبار، إنما لا بد من التذلل، ولا يكون تذلل في طلب العلم منافيًا لتحقيق التوحيد، وهذه إذا جعلنا ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) عامًا يشمل ما ذُكِر وما عداه حينئذٍ إذا سئل أهل العلم سواءً كان في باب الفتوى أو غيرها حينئذٍ نقول: هذا لا يعتبر من، لا يعتبر قادحًا في تحقيق التوحيد، وما كان من سؤالٍ في أمور الدنيا حينئذٍ يَرِدُ التفصيل، فإن كان مع استعطافٍ واستدلالٍ فهو مكروهٌ، وإذا كان كذلك حينئذٍ قاعدة عندهم من عَمَّمَ في الحديث هنا: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) كل سؤالٍ في أمور الدنيا مع الاستعطاف والاستذلال فهو مكروه، فتعاطيه يعتبر منافيًا لتحقيق التوكل، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يُعتبر محققًا للتوحيد، وإذا كان كذلك فحينئذٍ خرج عن السبعين فلا يدخل الجنة بغير حسابٍ.