أو نحو ذلك بأنه منافٍ للتوكل مطلقًا، ولو قال بأني لا أشعر بأن هذا الاسترقاء أو هذا الطلب ينقص توكلي نقول: لا، هذا لا يعتبر لماذا؟ لأن الحكم عام وهو قوله: ( «لا يسترقون» ) وهذه العلة تعتبر علة مطردة ولا تتفاوت في كونها في زيد دون عمرٍ، حينئذٍ نقول: الصواب أنه إذا طلب من لا يشعر بأنه أدنى من المطلوب الاسترقاء نقول: هذا يمنع. وهذا هو الصحيح وما قاله بعض الشراح هنا ليس بجيد، واستثنى بعضهم الرقية التي تكون بعوض لعدم الاستذلال والاستعطاف، والأصح المنع لعموم النص، كذلك لو أعطيته مالًا لو لم يكن ممن ذُكِر راقِي يَرْقِي بمال فأعطيته هل فيه استذلال واستعطاف، ليس فيه بل أنت أعلى منه ولو كان هو الراقي، يمنع أو لا يمنع؟
يمنع للنص، وإذا عللنا قضية التوكل والاستعطاف ونحو ذلك نقول: لا يمنع.
انظر متابعة العلة وتفريع المسائل عليها وكون العلة غير مطردة إذا نظرنا إليها دون النص تتولد عندنا مثل هذه المسائل، فالصواب منع الرقية مطلقًا سواءً كانت مجانًا أو كانت بعوض، سواءً كانت باستذلال واستعطاف أو لا لعموم النص، والله أعلم.
وأما الطلب من البعيد الذي يشعر بطلبه منه أنه فيه استعطاف واستذلال ويحتاج مع إلى تنميق العبارات وتزيق الكلمات .. ونحو ذلك وأنه أعلى منه لمجرد السؤال والطلب فهذا يُنقص التوحيد لأنه منقصٌ للتوكل، وأما ما لا يكون فيه استعطاف كالقرض وطلب الحقوق والديون فليس من هذا الباب، ومثله الطلب من بيت المال والمؤجر من المستأجر وحقوقه من الميراث والوقف والوصية وحق الضيافة. نقول: هذا كله [يعتبر فيه] لا يعتبر فيه نوع استذلالٍ ولا استعطاف.
طلب الدعاء ادْعُ لي، هذه كثرت عند الناس، والله عز وجل يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي} [البقرة: 186] . ما قال: فقل قال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} إذًا الأصل في المسلم أنه يدعو ربه مباشرةً هذا الأصل لأنه عبادة، وإذا كان عبادة فالأصل فيها الإخلاص والمتابعة، حينئذٍ يكون مباشرةً بينه وبين ربه تعالى، ولذلك قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كون الرب جل وعلا هنا لم يقل: فقل إني قريب ليجعل الخطاب بينه وبين العباد مباشرةً، فلم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - واسطةً في تبليغ الحكم الشرعي والخطاب الشرعي في هذه المحل وهو الدعاء، فالأصل في العكس يكون كذلك، أن لا تجعل أحدًا بينك وبين خالقك في الدعاء هذا الأصل، وأما أن يجعل الإنسان دائمًا، دائمًا على لسانه يقول: ادْعُ لي ادْعُ لي نقول: هذا منافي للأصل، وما ورد من جواز ذلك حينئذٍ يعتبر قضيةً معينة فيكتفى بها - كما سيأتي - وأما طلب الدعاء من الناس بأن يقول لشخصٍ حيٍ قادرٍ حاضر - هذا لا بد منه - وإلا يكون ماذا؟ يكون واقعًا في الشرك، فالميت لا يُدْعَى مطلقًا، سواء بما يقدر عليه لو كان حيًّا أو لا؟ مطلقًا لا يُدْعَى الميت، وكذلك الحيّ غير القادر لا يُدْعَى، لا يجوز دعوته أو دعاؤه يعتبر شركًا عند أهل العلم، كذلك لو كان حيًّا قادرًا لكنه غائب ليس موجودًا نقول: هذا يعتبر ماذا؟ يعتبر شركًا، فحينئذٍ لا بد من هذه القيود الثلاثة: أن حيًّا قادرًا حاضرًا، فإذا سأله حينئذٍ وقع النزاع بين أهل العلم قيل: بالجواز مطلقًا، يجوز أن تسأله ادع الله عز وجل لي بكذا .. ونحو ذلك، وليس من السؤال المرجوح ولا ينافي قوله: - صلى الله عليه وسلم - ( «لا يسترقون» ) انظر قال: لا ينافي قوله: - صلى الله عليه وسلم - ( «لا يسترقون» ) ، لماذا؟ لأن ( «لا يسترقون» ) جزءٌ دل على كلٍّ، كيف دل على كلٍّ؟