فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 2014

العموم من أين أخذ؟ هذا عند من يرى التعميم، جزءٌ دل على كلٍّ بمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الاسترقاء وجعل العلة وهي قوله: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) يقاس عليه كل من كان مثل الاسترقاء، وهو سؤال الغير مع الاستعطاف والاستذلال، فيقيس عليه، والصواب أنه لا يقاس كما ذكرناه. وله أدلة منها حديثنا فقد سأل عكاشة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يَدْعُوَ له، ولو كان الطلب مرجوحًا لنقص تحقيق توحيد عكاشة مع كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت له أنه من السبعين، هذا استدلال وجيه، لكن يمنعه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المسئول، فكلّ من سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعْتَبَرُ قادحًا في تحقيق التوحيد، لكن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يَرِدُ الإشكال فيه، هل هو مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - مساويًا له؟ تقول: للنبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصية وهو كونه نبيًا رسولًا حينئذٍ الأصل في دعوته الإجابة أو الرد؟

الإجابة، هذا الأصل. قد لا يُجَاب، لكن الأصل في دعوته إذا دعا ربه الإجابة، إذًا كونه الأصل في دعوته الإجابة لأي صفةٍ؟ لصفة الرسالة والنبوة، حينئذٍ غيره لا يقاس عليه البتة، ولذلك عكاشة ما سأل أبا بكر ولا سأل عمر ولا سأل عثمان وكذلك الصحابة الذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما سيأتي ذكره - لم يَرِدْ أن واحدًا منهم قد سأل أبا بكر أو عمر أو عثمان مع كونهم من سادات الأولياء - كما سيأتي ذكره - كونهم تركوا سؤال الصالحين الأولياء من أمثال أبي بكر وعمر ومن هو دونهما دلَّ على أن سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخصوص الرسالة والنبوة، فلا يقاس عليه غيره البتة، هذا هو الأصل فيه.

إذًا كون عكاشة هنا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُجْعَلْ هذا السؤال قادحًا في التوحيد وقد حَكَمَ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه محققٌ للتوحيد لكونه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا إشكال فيه.

ومنها أن أم سليم - كما في البخاري - سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لابنها أنس.

ومنها سؤال أبي هريرة رضي الله تعالى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحببه وأمه لعباده المؤمنين. رواه أحمد في المسند.

ومنها سؤال الأعمى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله له ليرد عليه بصره.

ومنها سؤال المرأة التي بها الصرع أن لا تتكشف، أجابها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

كل هذه أفعال خاصة، دُعاء خاص، طلبٌ خاص من النبي - صلى الله عليه وسلم -، لو وجد من ضمن هذه الأدلة أنه سُئِلَ أبو بكر أو عمر أو غيرهما حينئذٍ لصح الاستدلال، فالقول الأول هو القول بالجواز مطلقًا، وفيه نظر لما ذكرناه، وهذه كلها قصص أو أحداث يُعتبر خاصة. ومنها ما هو عام وهو ما جاء في الصحيح قوله: «ما من رجلٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكَّلَ الله به ملكًا يقول له:» ماذا؟ «ولك بمثل» لكن قال: يدعو، ما قال: طُلِبَ منه الدعاء، هذا نص ليس في محل النزاع.

وقيل: بالمنع مطلقًا لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] . وجه الاستدلال ما ذكرناه سابقًا، والدعاء عبادة، بل هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح. ومن كمال الإخلاص والصدق والمتابعة أن لا تجعل بينك وبين الله تعالى واسطة، بل الأصل هو المنع أو الجواز؟ الأصل هو المنع، حينئذٍ من أجاز احتاج إلى دليل واضح بَيِّن، وما ذكر لا يعتبر كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت