وذهب ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى التفصيل فإن كان قصدك بطلب الدعاء منفعة أخيك المسلم فيدعو لنفسه ولك فيقول له الملك: ولك المثل، هذا مستحب، لماذا؟ لأنه صار عبادة متعدِّية نفعه متعدِّي، حينئذٍ إذا قصدت بقولك: ادع الله لي بأن تنتفع أنت أولًا وأنا ثانيًا لا بأس به بل هذا مستحب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عمر: «لا تنسانا يا أخي» حينئذٍ نقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بحاجة إلى دعاء أي عمر رضي الله تعالى عنه وإنما أراد نفع عمر، لكن هل النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما رأى عمر قال: لا تنسانا من دعائك؟ ورأى أبا بكر وعثمان وعلي! هذه قضية معينة فحينئذٍ من أراد أن يقتدي فليفعل على ندرةٍ، الشيء الجائز قد يجوز في مراتٍ محدودة، وأخذ العموم من الجواز من بعض النصوص جوازًا مطلقًا، نقول: هذا فيه نظر يختلف الحكم، مثال صغير وهو إباحة الإنشاد مثلًا للشعر نقول: هذا ورد والنبي - صلى الله عليه وسلم - أقره وأنشد حسان في المسجد ونحو ذلك، لكن في قضايا معينة ولو جعله الإنسان في الصباح ينشد والظهر والعصر وعند النوم وعند الاستيقاظ اختلف الحكم هُوَ هوْ؟ لا، اختلف الحكم اختلافًا جَذْرْيًّا، لماذا؟ لأن الأصل الجواز بالصفة التي وردت، لا تأخذ الحكم وتترك الصفة، وإنما تقول: يجوز الإنشاد بالصفة التي وردت لكن كونه مرةً دون مرة، وأما إذا أخذت العموم بأنه صباح مساء تنشد الشعر ولو كان في مباح ولوحدك هكذا وتغني، نقول: لا، هذا يمتع منه، فالحكم يختلف حينئذٍ الأصل الجواز في كونك تسأل على رأي ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا قصدت نفع أخيك لكن ليس معناه كل ما ترى أي شخص نسمع بعض الناس حتى من فسقة يقول: لا تنساني من دعائك، هذا باطل هذا الفاسق ما، لو قال: أدعو لك تقول: لا تَدْعُ لي، أليس كذلك؟ فلا يعمم، إنما إذا كان من رجل صالح عالم ونحو ذلك عابد ممكن أن يُفعل مثل هذا فستفاد منه، أما التعميم نقول: هذا فيه نظر، فإن كان هكذا قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن كان قصدك بطلب الدعاء منفعة أخيك المسلم فيدعو لنفسه ولك فيقول له الملك: ولك بمثل. فهذا مستحب، لكن يقيد هذا القيد بالاستحباب بأنه لا يكون على جهة الدوام، وكذلك يكون ممن ترجى منه الإجابة كأهل العلم مثلًا، والصالحين .. ونحو ذلك، أمَّا كُلّ من هَبّ ودَبّ؟ لا، نقول: ليس مراد ابن تيمية هذا رحمه الله تعالى، وإن كان قصدك منفعتك أنت وحدك دون نظرٍ لنفعه هو فهذا سؤالٌ غير مستحب، يعني من السؤال المرجوح، فيكون على الأصل وهو المنع، والصحيح في هذه المسألة: الأصل المنع، لأنه عبادة والأصل أن يكون ماذا؟ بينك وبين ربك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل) . يعني في هذا الباب مسائل جمع مسألةٍ، وهو ما يبرهن عنه في العلم، وهذه المسائل كما ذكرنا سابقًا هي تعتبر كالشرح للباب، فأول شارحٍ لكتاب التوحيد هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بقوله: (فيه مسائل) لأنه يذكر الفوائد التي تستنبط من هذه الآيات التي ذكرها وكذلك الأحاديث.
المسألة الأولى قال: (معرفة مراتب الناس في التوحيد) . المعرفة هي العلم، والعلم هو مطلق الإدراك، والمراتب جمع مرتبة بمعنى المنزلة والمكانة أو المنزلة الرفيعة. هنا قال: (معرفة مراتب الناس) عام أراد به الخصوص لأن الناس هذا عام يشمل الكافر ويشمل المؤمن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] . قلنا: هذا من صيغ العموم فيعمّ كل مخاطب، فيدخل فيه الكافر وليس المراد هنا إلا الموحدون، حينئذٍ هو عامٌ أريد به الخاص وهم الموحدون.
ومراتب الناس في التوحيد:
مختلفة فمن أهل التوحيد من يدخل الجنة بغير حساب.
ومنهم من يدخل النار بذنوبه، ثم يخرج منها وهو غير مخلد بإجماع أهل السنة والجماعة إذا مات على معصيته دون توبة بإجماع السلف أنه لا يعتبر من المخلدين في النار لا تخليد إلا للكافر.
ومنهم من هو بين ذلك.
فدل هذا الحديث أن بعض الناس يدخلون الجنة مباشرةً بلا حسابٍ ولا عذاب وبعضهم كما هو شأن النصوص الأخرى أنه قد يعذب في النار، ثم يخرج إذًا وهو موحد حينئذٍ دل على أن الناس يختلفون في التوحيد.