فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 2014

ومأخذ هذه المسألة قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ) ، ثم قال: ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» ) . فدل ذلك على أن منهم من يدخلها مع الحساب أو مع العذاب.

المسألة (الثانية: ما معنى تحقيقه) هذا استفهام، يعني: أجيب بالحديث وكذلك الآيات السابقة معنى تحقيق التوحيد، والمعنى هو ما يقصد من الشيء، وتحقيقه الضمير يعود إلى التوحيد أي تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والإصرار على المعاصي - كما سبق توصيله في شرح الترجمة - فليس كل من وقع في معصية يعتبر ماذا؟ قادحًا في توحيده، وإنما المراد أن يصر على المعصية هذا الذي يعتبر قادحًا في التوحيد، وأما كونه بشر يقع في معصية ثم يستغفر ويتوب نقول: هذا ليس بقادح في التوحيد أليس كذلك؟ مر معنا في أول الباب، إذًا المسألة الثانية ما معنى تحقيقها.

(الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين) ، ... (ثناؤه سبحانه على إبراهيم عليه السلام بكونه) أي إبراهيم عليه السلام (لم يكن من المشركين) ، (ثناؤه) هذا في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] . وهذا هو الشاهد عند المصنف {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} والثناء هو المدح، وهذا فيه ماذا؟ فيه الغاية في تحقيق التوحيد، فقد تبرأ إبراهيم عليه السلام منهم وكفر بهم وعاداهم بل وكسر أصنامهم كما هو مأخوذٌ من مجموع الآيات.

ثانيًا: هذه الآية سيقت للثناء على إبراهيم عليه السلام، ومناط الثناء هنا هذه الأمور المذكورة {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ} الآية الأخرى. وإنما ذكر المصنف هذه الآية والله أعلم كما ذكرنا سابقًا لقوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يعني: انتفاء الشرك محلٌ للثناء، هذه الآية سيقت للثناء على إبراهيم عليه السلام ومناط الثناء هذه الأمور المذكورة ومنها ترك الشرك، فدل على أن من انتفى عنه الشرك فهو محل ثناءٍ من الله تعالى، إذا انتفى عنه الشرك الأكبر فهو محل ثناء، لماذا؟ لأنه موحد نقيضان، توحيد شرك إذا وُجد التوحيد انتفى الشرك الأكبر بحذافيره، إذا وُجد التوحيد على وجه الكمال انتفى الشرك الأكبر بحذافيره. إذًا وجد الشرك الأكبر هل يمكن أن يوجد التوحيد أو لا؟ لا، لا يمكن أن يوجد التوحيد أبدًا، إذا وقع ذبح لغير الله فهو مشركٌ خالص، إذًا لا توحيد عنده البتة فما نقيضان إما هذا أو ذاك. قال: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} إذًا دل على أنه محل للثناء لأن انتفاء الشرك دليلٌ على أن التوحيد موجود، وإذا انتفى الشرك الأكبر وُجد أصل التوحيد، وقد يبقى معه شركٌ أصغر وهو ليس منافيًا لأصل التوحيد وإنما هو منافٍ لكماله الواجب وهو موحد لكنه آثم وقد نقص توحيد الواجب حينئذٍ يعتبر محلًا للثناء ومحلًا للذم لكن لا من جهةٍ واحدة.

محلٌّ للثناء لأنه تخلص من الشرك الأكبر ومحلٌّ للذم لأنه وقع في الشرك الأصغر.

ثالثًا: اقتصار المصنف على جزء الآية يدل على أنه هو الشاهد من هذه الآية وأنه لم يُرِد كل الآية كما سبق تقريره، ولذلك سبق أن ذكرنا تفسير المصنف لقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} قال: خلافًا لمن كَثَّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين لم يذكر الشرك الأكبر ولا أصغر، وإنما ذكر جزئيةً معينة وهي مظاهرة المشركين مثلًا، أو تكثير سوادهم ليس المظاهرة، المظاهرة هذه تعتبر ردة، وإنما كونه: كثر سوادهم أو جعلهم أمراء أو جعلهم وزراء ونحو ذلك أو مستشارين هذا كله يعتبر ناقصًا في التوحيد، حينئذٍ قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} خلافًا لمن كَثَّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين، وتفسير المصنف يشعر بأنه لم يُرِد كلّ النفي بقوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وإنما نفى تَكْثِير سوادهم، وهذا الذي أراده المصنف في هذا الباب بالذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت