فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 2014

وإما أنه يرى تعميم الأسباب، بمعنى أن قوله: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) عام يشمل ما ذُكر وما لم يُذكر وقد ذكر الاسترقاء ولم تذكر الرقية قياسًا على ما سبق وحينئذٍ يكون الحكم واحدًا. وتأمل تعبير المصنف حيث قال: (ترك الرقية) ولفظ الحديث ليس فيه ترك الرقية الذي ذكره المصنف وإنما فيه الاسترقاء، وترك الرقية لا شك أنه غير الاسترقاء، فترك الرقية أن لا يستعملها مطلقًا، والاسترقاء أن يستعملها لكن لا يطلبها من أحدٍ البتة، فالحديث نفى الاسترقاء والمصنف عبر بترك الرقية، وعليه يكون ثَمّ خلافٌ في تحديد هذه المرتبة من مرتبتي تحقيق التوحيد، فعلى كلام المصنف ترك الرقية أصلًا هو صفة هذه المرتبة، فإن لم يترك الرقية ولو لنفسه دون طلبٍ حينئذٍ لا يكون محققًا لهذه المرتبة، لأنه عنون لهذه المسألة كون ترك الرقية من تحقيق التوحيد، فإذا لم يتركها بأن رقى نفسه أو لم يمنع من يرقيه حينئذٍ يكون قادحًا في تحقيق التوحيد، فالرقية عنده جائزة ولكن تحقيق كمال التوحيد بترك الرقية أصلًا، وأكثر الشراح دللوا للمسألة الخامسة بلفظ الحديث بقوله: ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون» ) وعللوا ذلك بقوله وذلك لما فيه من التفات القلب إلى غير الله تعالى.

إذًا المصنف رحمه الله تعالى قال: (ترك الرقية) وحينئذٍ يكون فيه تعميم إما إشارة إلى رواية مسلم رحمه الله تعالى، وإما إشارة إلى القياس لأن العلة موجودة، والله أعلم.

(كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد) هذه المسألة الخامسة.

(السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل) . والخصال جمع خصلة، خُلقٌ في الإنسان يكون فضيلةً أو رذيلة، والمراد هنا ترك الاسترقاء على كلام الشراح وترك الاكتواء وترك التطير. أي تركوا هذه الخصال توكلًا على الله تعالى لقوله: ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) .

المسألة (السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.) ، (عمق) العمق البعد إلى أسفل، عَمُقَتِ البئر عُمْقًا بَعُد قرارُها فهي عَمِيقَة، وهذا وصفٌ حسيّ لكنه في المعنى ينطبق على الصحابة كذلك، وهذا في المحسوسات ويقال: عَمُقَتِ الفكرة بمعنى أنها بلغت أقصى الأمر وكنهه، والصحابة ينطبق على الأصل فيه في شأن العلم، لذلك اختلف الأصوليون في كون قول الصحابي إذا لم يخالف أن يعتبر حجةً أو لا؟ على خلاف، لماذا؟ لأنهم أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدركوا مواضع التنزيل ثم هم أعلم بمآخذ الأحكام الشرعية وكذلك هم أعلم بالمادة التي يستنبطوا بها الحكام الشرعية، ففي جميع الوسائل التي يمكن أن يستنبط بها الحكم الشرعي فالصحابة نقول: مقدمون في ذلك على من بعدهم، وإنما كثر كلام من بعدهم لوجود الأوقات الفارغة عندهم، لأنهم ماذا؟ وُجد كما قال بعضهم: العلم نقطة وكثره ماذا؟ خلاف المخالفين. (عمق علم الصحابة) وهذا يدل على أنهم أغزر علمًا وأعمق فهمًا وأقوم عملًا وأرجح عقلًا وأهدى طريقًا وهو كذلك، بـ (معرفتهم) أي بسبب معرفتهم وفي نسخة ... (لمعرفتهم) واللام للتعليل (أنهم لم ينالوا ذلك) يعني الثواب العظيم وهو دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب إلا بعمل، لأنهم خاضوا في أولئك القوم (وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام) ، و (لعلهم الذين صحبوا) .. إلى آخره فخاضوا في أولئك ليستنبطوا العمل الذي قد فعلوه الذي وقع منهم، ولم يختلف العدد هل مع كل واحد سبعين أو لا؟ ونحو ذلك وإنما اختلفوا في ماذا؟ في العمل ما الذي فعله هؤلاء السبعون فنالوا هذا الأجر العظيم وهذا يدل على ماذا؟ على عمقٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت