المسألة (الثامنة: حرصهم على الخير) يقال: حرص على الشيء حرصًا اشتدت رغبته فيه، (حرصهم على الخير) يعني شدة رغبتهم في الخير، وحَرِصَ على فلان أشفق وجد في نفعه وهدايته فهو حَرِيصٌ ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم} [التوبة: 128] . و (الخير) الأصل فيه أنه المال الكثير الطيب، ومنه: {إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] {خَيْرًا} المراد به هنا؟ المال الكثير الطيب، وكذلك الحسن لذاته ولما يحققه من لذةٍ أو نفعٍ أو سعادةٍ يقال: هذا خيرٌ من ذاك ويُجمع على خِيَار وأَخْيار، و (حرصهم على الخير) هنا لماذا؟ لخوضهم، فخاضوا لماذا خاضوا؟ حرصًا على الخير، لخوضهم في هذا الأمر وحرصهم على معرفة أعمالهم ليعملوا بها فيحصلوا الثواب أي ثواب الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، دل ذلك على حرصهم على الخير.
(التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.) والفضيلة هي الدرجة الرفيعة في حسن الخلق، وفضيلة الشيء مَزِيَّتُهُ، والأمة المراد به هنا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لكنها هي على نوعين أمة الإجابة أو الدعوة؟ أمة الإجابة، والكم مقدار الشيء والكمية الكم هو نفسه، والكيفية كيفية الشيء حاله وصفاته كمية؟ هذا مصدر صناعي يقال في الكيفية كيفية؟ يقال: بلا كيف هذه عبر عنها بالبلكفة.
قد شبهوه بخلقه فتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفة
كذا قال الزمخشري، ومراده هنا أنه يدخل من هذه الأمة خلقٌ كثير، هذا بالكمية أو بالكيفية؟ بالكمية، يعني عدد كبير لأنه سبعون ألف وورد في مسلم: «مع كل واحدٍ سبعون ألف» دل على أنهم كثر، ومراده هنا أنه يدخل من هذه الأمة خلقٌ كثير فهذا بالكمية لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى سوادًا عظيمًا، أعظم من السواد الذي كان مع موسى، وأما الكيفية فدخول سبعين ألفًا منهم الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب. هذا يتعلق بالصفة و ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» ) .
المسألة (العاشرة: فضيلة أصحاب موسى) . لقوله: ( «إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه» ) إذًا كثرتهم حينئذٍ دل على فضيلتهم لأنهم تابعوا موسى، حينئذٍ الدلالة هنا باللازم، لكثرتهم دل على أنهم تابعوا موسى، وإذا تابعوا موسى تابعوا نبيهم حينئذٍ صاروا فضلاء في أنفسهم، وهنا التعبير باللازم، والفضيلة هنا باللازم لأنه ذكر ما يدُل على كثرة أتباع موسى ولزم منه فضيلتهم ومزيته على غيرهم سوى هذه الأمة.
المسألة (الحادية عشرة: عرض الأمم عليه، عليه الصلاة والسلام) لقوله: ( «عُرِضَتْ علي الأمم» ) والعارض قلنا: هو الله عز وجل ( «عرضت علي الأمم» ) حينئذٍ الأمم جمع أمة، والعرض هنا أسند إليه كذلك ( «عرضت علي الأمم» ) والأصل فيه الحقيقة أو المجاز؟ الحقيقة، إن قلت بالمجاز، وإن لم تقل فهذا كله حقيقة، حينئذٍ الأصل فيه الحقيقة فيبقى على ظاهره لأنه من الأمور الغيبية. إذًا (عرض الأمم عليه، عليه الصلاة والسلام) لقوله: ( «عرضت علي الأمم» ) وقد سبق شرحه، قيل: المراد أن الله تعالى أراه مثالها إذا جاءت يوم القيامة، وهذا فيه نظر، ذكره ابن قاسم وغيره، لكن غلط ليس بصحيح، لماذا؟ لأنه أخبرنا [أن الأمم] أن الله عز وجل عرض عليه الأمم ولم يخبرنا كيف كان العرض؟ فحينئذٍ نؤمن بالخبر وأما الكيفية فنبقى على الأصل نقول: الله أعلم بها لأنها من الأمور الغيبية، وأما كونه مثالها وكيف الله عز وجل جاء بالأمم، والقيامة لم تقم هذا كله مدخلٌ للعقل فالأصل في مثل هذه المسائل لا مدخل للعقل فيها، إذًا قوله المراد أن الله تعالى أراه مثالها هذا نقول: يحتاج إلى دليل، لأن هذا تأويل فإذا لم يكن دليل حينئذٍ صار تأويلًا فاسدًا فلا يقبل البتة.
وفيه تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث رأى الأنبياء ومنهم من ليس معه إلا ... (الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) وفيه بيان فضيلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرفه حيث كان أكثرهم أتباعًا وأفضلهم.