(السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) من القائل؟ سعيد بن جبير (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني) قال: (عمق) عرفنا المراد بالعمق، (علم السلف) السلف لغةً المتقدم على غيره في الزمن يقال: سَلَفَ سُلُوفًا وسَلَفًا تقدم وسبَّق ومضى وانقضى فهو سَالِفٌ، هذا من حيث المعنى اللغوي، وأما شرعًا فهو معنى المصطلح الآخر الشرعي وهو أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية كلها أسماء والمسمى واحد، قالوا: سلف، وأهل سنة وجماعة، قالوا: الفرقةٌ الناجية، الطائفةٌ منصورة، وهو ما كان أو هم من كان على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هكذا عرفها النبي - صلى الله عليه وسلم -، حديث مختلف فيه لكن المعنى صحيح، وليس المراد هنا بالسلفية مرحلةً زمنية انقضت وانتهت لأن مذهب السلف يشمل جانبين:
الأول: القدوة.
وثانيًا: المنهج المتبع.
القدوة: يعني: الأشخاص، والمنهج المتبع. يعني: الطريقة التي ساروا عليها، حينئذٍ إذا قال: أنا سلفيٌّ وقصد القدوة هذا كاذب، لأن القدوة منحصرٌ في القرون الثلاثة المفضلة وأنت الآن معاصر ما وجدت معهم، وإذا قال: أنا سلفيٌ وقصد به المنهج المتبع صار ماذا؟ صار محقًا. حينئذٍ نقول: منهج السلف أو مذهب السلف يشمل جانبين: القدوة، والمنهج المتبع. فالقدوة هم أصحاب العصور الثلاثة المفضلة، والمنهج هو الطريقة المتبعة في هذه العصور الثلاثة فهمًا واستدلالًا علمًا وعملًا إيمانًا وإسلامًا، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ. انتبه. يعني: ليس كل من ادَّعى السلفية فهو سلفي، ونقيضه الخلف وهو لغةً المتأخر في الزمن الخلْف بإسكان اللام المتأخر في الزمن عمن قبله، والجيل يأتي بعد الجيل {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} [مريم: 59] . خلَفٌ أو {خَلْفٌ} خلفٌ بإسكان اللام {أَضَاعُوا الصَّلاةَ} [مريم: 59] . وليست كذلك الحكم هنا ليس هو فترةٌ زمنية بل هو منهجٌ وقدوة يقال فيه ما قيل في سابقه، فمن وجد من أهل البدع في العصور وأدرك عصر الصحابة فهو خلفي قدوة بنفسه لأنه شخصٌ ومنهجه المتبع حينئذٍ يطلق عليه بأنه خلفيّ فهو منهج وقدوةٌ فيما يقابل الحق وهو الباطل، فهو المنهج المضاد لما عليه السلف فحينئذٍ نقول: هذا يعتبر سلفي وهذا خلفيّ، على كلٍّ المراد هنا أنه لما ذكر حديث حصين أن استرقى لما بلغه من حديث بريدة صوَّبه سعيد ما أنكر عليه لأنه عنده قول وهذا القول مستَنَد على أو مستَنِد على دليل شرعي صحيح، فما خطأه لأنه لم يبلغه الثاني نص الحديث الثاني، وإنما فعل أمرًا جائزًا بناءًا على دليلٍ صحيحٍ عنده، حينئذٍ الأصل فيه عدم الإنكار، ثم بَيَّن له ما هو أفضل من ذلك وأنه لا يخالفه ولكنه يزيد عليه ( «لا يسترقون» ) دل على جواز الرقية على رأيه وهو موافق لقوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) لكن الأفضل أن يَتْرُك، ولذلك فقوله: (فعلم أن الحديث الأول) وهو حديث بريدة «لا رقيةٍ إلامن عينٍ أو حمة» والعين (لا يخالف الثاني) وهو حديث ابن عباس: وهم ( «لا يسترقون» ) وليس بينهما تخالف، لأن الأول في الرقية والثاني في الاسترقاء، ففرقٌ بين المحلين. فالمرء إذا جاءه من يرقيه ولم يمنعه فإنه لا ينافي قوله: و ( «لا يسترقون» ) المراتب ثلاثة:
أن يطلب من يرقيه. وهذا جائزٌ لكنه فاته الكمال.
أن لا يمنع من يرقيه. وهذا هو السنة ولم يفته الكمال لأنه لم يطلب الرقية.
ثالثًا: أن يمنع من يرقيه. وهذا خلاف السنة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رَقَى ورُقِي هذا الذي فصله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (( القول المفيد ) )، ولم يمنع عائشة وجبريل أن يرقياه، كذلك الصحابة لم يمنعوا أحد رقيهم لأنه لم ينافي التوكل والشيخ رحمه الله تعالى يرى التفصيل على ما ذكر.
(الثامنة عشرة: بُعْد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه) . قول حصين: (أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغت) فخاف أن يظن الحاضرون أنه قام يصلي فدفع عن نفسه إيهام العبادة.