ثم يتبع الخوف مجانبة الشرك بجميع حذافيره وأنواعه. إذًا الوجوب حكم شرعي تكليفي وهو حكم قطعي معلوم من الدين بالضرورة يعني الخوف من الشرك هذا لا خلاف فيه، وجوب الخوف من الشرك هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم لأنه أول ما يجب أن يفعله المسلم تجاه ما حرمه الله عز وجل عليه، وما يأتي من الأدلة يدل عليه، ولذلك قال تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} وهذا نهي والنهي يقتضي التحريم، والنهي لا شك أنه كفٌّ يعني ترك مع مجاهدة نفس أو مع ملاحظة النفس وليس تركًا هكذا مجردًا، إذًا النهي نقول: مقتضاه، مقتضى صيغة لا تفعل هي الكفّ، والوجوب فعل وإيجاد لأن الواجب ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا يعني إيجاده شيء يُوجد ليس هو بعدم إعدام عدم، والمحرم ما طلب الشارع تركه إذًا نقيضه هذا فعل وذاك ترك، حينئذ نقول: قال تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} حينئذ حرم علينا فعل الشرك، حينئذ يكون النهي مقتضاه هو الكفّ، والوجوب فعل وإيجاد، حينئذ نقول: ترك المحرم هو مقتضى صيغة لا تفعل ولا يتأتى ذلك إلا بالفعل لأن الشارع إذا نهى عن شيء إنما هو أمر بضده إذا لم يكن له إلا ضد واحد، أو أمر بأحد أضداده إن كان له أضداد، حينئذ النهي عن [أو الأمر] النهي عن الصلاة قاعدة في الفرائض أمر بضده وهو القيام، كما أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده. هنا قال: {وَلا تُشْرِكُوا} حينئذ نهى، هل الشرك له ضد واحد أم أضداد؟ له ضد واحد، فإذا نهى الشارع عن شيء كان ذلك النهي مقتضيًا للأمر بضده وهو التوحيد، حينئذ صار إيجادًا، لأن بعضهم قال: لماذا قال المصنف: (باب الخوف من الشرك) لماذا لم يقل باب ترك الشرك؟ نقول: ما أراد الله عز وجل ترك الشرك فحسب وإنما أراد المجانبة من كل وجه، ولذلك قال هناك: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32] هذا نهي عن الزنا وعن قربان الزنا، فكل وسيلة تفضي إلى المحرم فهي محرمة، وكل وسيلة تُفضي إلى الواجب فهي واجبة و [الوسائل لها أحكام المقاصد] حينئذ لما كان النهي عن الشرك لا يتأتى إلا بالتلبس بضده ونقيضه وهو التوحيد حينئذ صح أن يقول المصنف: باب وجوب الخوف من الشرك فصار الخوف شيئًا موجودًا وليس بشيء معدوم، أليس كذلك؟ وهذا أول التلبس بنقيض الشرك الذي نهى الله تعالى عنه. إذًا نقول: قوله تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} نهي وهو للتحريم وهو كفٌّ والوجوب فعل وإيجاد، نقول: نعم هو كذلك، فترك المحرم هو مقتضى صيغة لا تفعل، ولا يتأتى ذلك إلا بفعلٍ، وما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى
فإذا كان هذا المحرم لا يمكن للمسلم أن يتركه إلا بمجانبة شيء معين حَرُمَ عليه ذلك، أو فعل شيئًا من ذلك، فإذا كان يعلم من نفسه أنه سيقع في الزنا عياذًا بالله حينئذ يتعين عليه فعل ضد من أضداد الزنا وهو النكاح أو التسري أو الصيام أو الانشغال ونحو ذلك، فيتعين عليه واجب يليق به ويكفه عن الوقوع في الزنا، لماذا؟ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده، وهنا الأمر بضد الزنا هو التعفف والاستعفاف، وهذا إنما يكون بالنكاح فقد يتعين عليه النكاح إن كان لا يسد حاجته إلا النكاح أو الصوم أو نحو ذلك. إذًا:
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى
فترك المحرم واجب، وما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب، وهنا لا يتم ترك الشرك إلا بالخوف منه فصار الخوف من الشرك واجبًا. عرفنا كيف وصلنا إلى نتيجة (باب الخوف من الشرك) باب وجوب الخوف من الشرك، لماذا؟ لأن ترك الشرك واجب ولا يتأتى ترك الشرك إلا بالخوف منه وما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب، واضح؟
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى