والخوف عمل قلبِيّ حقيقته انفعال في النفس يحدث لتوقع ما يَرِدُ من المكروه أو يفوت من المحبوب، إما لإيراد وإما لفوات، هذا أو ذاك، وضده الأمن وضد الخوف الأمن وسبق معنا في قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [الأنعام: 82] في الدنيا وفي الآخرة ضد الأمن هو الخوف. قال الراغب في (( المفردات ) ): والخوف من الله لأن المقام هنا خوف من الله (باب الخوف من الشرك) أي باب وجوب الخوف من الشرك، الخوف من الشرك بذاته أو هذا عبارة عن كناية بخوفه من الله تعالى لما يترتب على الشرك من الخلود في النار؟ لا شك أنه خوف من الله تعالى. قال الراغب: والخوف من الله لا يُراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الأسد، يعني الأمر الانفعال فقط، الخوف من الله ليس المراد به انفعال النفس ثم لا يترتب عليه شيء، لا، ليس هذا المراد، والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، وهو معناه اللغوي كاستشعار الخوف من الأسد، خاف من الأسد، بل إنما يراد به الكف عن المعاصي واختيار الطاعات، لا بد أن يكف عن المعاصي ويختار الطاعات، حينئذ لا بد أن يكون مثمرًا فلو لم يكن الخوف الذي هو [حق] انفعال في النفس تُجَاه ما يتوقع فواته أو وجوده من المكروه، هذا لا يكفي أن يكون شيئًا في النفس هذا يتعلق بالرب جل وعلا، حينئذ لا بد أن يترتب عليه ثمرة، وهذه الثمرة تكون جالبة لتحقيق التقوى، وهي فعل الطاعات والكفّ عن المحرمات، فإن أثمر هذا الخوف الذي وقع في النفس هذه الأمور من الكفّ عن المعاصي وفعل الطاعات حينئذ يكون خائفًا من الله تعالى، ولذلك قيل: لا يعد خائفًا من لم يكن للذنوب تاركًا. فإذا وقع في الذنوب كلها حينئذ هذا لم يخف من ربه، فإذا وقع في بعض الذنوب دون بعض حينئذ نقول: هذا عنده خوف لكنه ناقص وعلى هذا الذي قررناه من معنى الخوف من أنه وجود وهو فعل وإيجاد وأنه يراد به أول التلبّس بنقيض الشرك وهو الوقوع في الشرك الخوف منه، حينئذ لا يقال كما قال بعض المعاصرين، [لماذا لم يعبر المصنف بالخوف] [1] ، لماذا عبر المصنف بالخوف ولم يعبر بالترك؟ فيقول: باب ترك الشرك بالله. نقول: لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ولمن يرد به ترك الشرك فحسب، وإنما المراد به المجانبة لكل ما يُفضي إلى الشرك، فإذا قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} نهى عن الزنا، ونهى عن قربان الزنا، ولم يقل: لا تزنوا. قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} حينئذ كل وسيلة مُفضية إلى الزنا فهي محرمة بهذا النص، فالاختلاط محرم بهذا النص، النظر إلى المرأة الأجنبية محرم بهذا النص، لماذا؟ لأن هذا من قربان الزنا، والله تعالى قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} . وقال: هناك {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} حينئذ ليس المراد الشرك فحسب، بل كل وسيلة مفضية إلى الشرك نفسه، فنقول: الخوف - وإن كان الأصل فيه أنه عمل قلبي - إلا أنه لا يُعتبر إلا إذا ظهرت ثمرته على اللسان والجوارح بالكف والفعل، الكف عن المعصية والفعل للطاعة. لا يعد خائفًا من لم يكن للذنوب تاركًا. والخوف من الشرك هنا هو خوف من الله تعالى.
(باب الخوف مِنَ الشرك) ، (مِنَ الشرك) بفتح النون لأنه أخف الأصل أنه يتحرك بالكسر من الشرك لكن لما كان فيه ثقل حينئذ عدلنا عن الكسر إلى الفتح، والأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر، وقد يأتي لأمر ما {إِنِ امْرُؤٌ} [النساء: 176] هنا سهل ولم يكن فيه ثقل، فإذا كان ثَمَّ ثقل حينئذ رجعنا إلى الفتح من الشرك (مِن) هنا بيانية، الخوف من ماذا؟ قال: (مِنَ الشرك) . (باب الخوف) الخوف له متعلقات، من أي أنواع الخوف هنا المراد به خوف من ذنب معين، ولذلك قال: (مِن) هذه (مِن) بيانية.
(الشرك) هل المراد بالشرك في الترجمة هنا الشرك الأكبر فقط أو أنه عام في الأكبر والأصغر؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، ولكن ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى أنه يُريد العموم، فالظاهر هو العموم لأنه أولًا مفرد مُحَلّى بـ (أل) .
الفرد والجمع المعرفان باللام
(1) سبق.