فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 2014

ويأتي شَرِكَ بفتح فكسر، ويقال: أَشْرَكْتُهُ أي جَعَلْتُهُ شَرِيكًا، ويطلق حينئذ على المخالطة والمصاحبة والمشاركة. قال في (( اللسان ) ): الشِّرْكة، والشَّرِكة سواء مخالطة الشَّرِيكَيْنِ. وقال ابن فارس: الشَّرِكَة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما. وهذا موجود في المعنى الشرعي تكون العبادة بين اثنين جعلها بين الله تعالى وبين غيره من المعبودات. إذًا الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شَارَكْتُ فلانًا في الشيء إذا صِرْتَ شَرِيكَهُ، وأَشْرِكْتُ فلانًا أَشْرَكْتُهُ تعدَّى بالهمزة إذا جعلته شريكًا لك، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 32] أي اجعله شريكًا فيه، يعني النبوة، ويطلق أيضًا على النصيب والحظ والحصة يقال: شَرِيك وأَشْرَاك، والأَشْرَاك أيضًا جمع الشِّرْكِ وهو النصيب، كما يقال: قِسْم وأَقْسَام، شِرْك وأَشْرَاك، قِسْم وأَقْسَام، حِمْل وأَحْمَالٌ، يعني فِعْل يُجْمَعُ على أَفْعَال. ومنه الحديث: «من أعتق شركًا في عبد» . أي حصة ونصيبًا، ويطلق أيضًا على التسوية يقال طريق مشترك أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك تستوي فيه معانٍ كثيرة هذه إطلاقات وكلها مرادة في معنى الشرك الشرعي.

ويطلق الشرك على الكفر أيضًا، ولذلك قلنا مرارًا: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الشرك والكفر بمعنى واحد، لفظان معناهما واحد، ولا فرق بينهما في استعمال الشرع، إلا أنه غلب استعمال لفظ الشرك فيمن صرف العبادة لغير الله، وغلب استعمال لفظ الكفر فيمن كفر بغير ذلك، فقيل: هذا كافر، وهذا مشرك، وإلا هما بمعنى واحد. ولذلك قال الزبيدي: والشرك أيضًا الكفر. يعني كما يطلق على ما مضى يُطلق على الكفر، فالكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر. وفي (( القاموس ) ): وأَشْرَكَ بالله كَفَرَ. فسر الشِّرْك بماذا؟ بالكفر فهو مُشْرك ومُشْرِكي والاسم الْمُشْرِك فيهما، وهذه المعاني كلها مترابطة هنا وهي مرادة، كلها مرادة في معنى الشرك الشرعي: التسوية والحصة والنصيب والمخالطة والمصاحبة كلها موجودة في معنى الشرك الشرعي. فالمشرك قد جعل غير الله مشاركًا له في حقِّه لأن الشَّرِكة هي الشيء الذي يُجعل بين اثنين لا ينفرد به أحدهما عن الآخر، وهذا موجود المشرك قد جعل غير الله مثل الله في ماذا؟ في العبادة، جعل العبادة مشتركة لم يُفرد الله تعالى بالعبادة عن هذه الأصنام مثلًا ولم يُفرد هذه الأصنام عن الله عز وجل، ولذلك من اسم اللفظ الشرعي تأخذ أن المشركين الذين عَبَّر الله عز وجل عنهم بلفظ الشرك أنهم قد شَرَّكُوا بين اثنين، من لفظ الشرك، اختاره الرب جل وعلا وجعله حقيقة شرعية في معنى ما إلا أن هذا الاختيار فيه تَشْرِيك بين اثنين، حينئذ لا يقال بأن الشرك لا يكون إلا إذا صرف كل العبادة لغير الله، نقول: لا، لفظ الشرك من لفظه المعنى اللغوي فيه تشريك بين اثنين بحيث أحدهما لا ينفرد بذلك الذي جُعِلَ شريكًا له عن الآخر، فحينئذ العبادة مُشْتَرَكة أو شَرَّكَ هذا الْمُشْرِك بين الرب جل وعلا وبين تلك المعبودات أو الآلهة، فلم يُفرد الله تعالى بالعبادة دون هذه المعبودات، ولم يفرد هذه المعبودات بالعبادة دون الرب جل وعلا. إذًا المشرك قد جعل غير الله مُشَارِكًا له في حقه، فالمعنى اللفظي موجود أو المعنى اللغوي موجود في المعنى الشرعي، فله نصيب مما هو مُسْتَحَقٌ لله تعالى من العبادة، وقد سَوَّى بين الله تعالى وبين مَنْ أشركه في حق الله تعالى [نعم] سيأتي أن الشرك مبناه على التشبيه تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا هو معنى التسوية سوى بينهما، فجعل غير الله تعالى مقصودًا بشيء من العبادة، والتسوية لا يلزم أن تكون المساواة من كل وجه، لا، بل ولو في بعض الوجوه دون بعض، ولا يلزم من ذلك المساواة من كل وجه، بل يكفي أن يكون في وجه من الوجوه، وهذه كلها معانٍ لغوية كما ذكرنا، وأما معنى النصيب والحظ والحصة هذه واضحة بيِّنة، فقد جعل المشرك لهذه المعبودات الباطلة حظًّا ونصيبًا وافرًا من العبادة التي هي حق لله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت