قال الطبري رحمه الله تعالى إمام المفسرين: الأنداد جمع ندٍّ، والنِّدُّ الْعِدْل والْمِثل {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} قال: الأنداد جمع ندٍّ، والنِّدُّ هو الْعِدْلُ والْمِثْلُ يعني مثيل الله عز وجل، إن كان من كل وجهٍ أو في بعض الوجوه مما هو شرك أكبر فهو شرك أكبر، أو في بعض الوجوه دون بعض ولا يصل إلى درجة الشرك الأكبر فهو شرك أصغر. إذًا اتخاذ النِّدّ مع الله هو تعريف الشرك الأكبر ويدخل فيه الأصغر.
والحاصل أن اتخاذ النّدّ والشبيه والعدل والمثيل والمثل والكفء لله يسمى شركًا بالله، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] قال أبو العالية في معنى الآية: لم يكن له شبيه ولا عِدْل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وليس له من خلقه نظير يُساميه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه، ولا نظير ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل. هذا كلها تفاسير وليس بينها خلاف إلا هو خلاف لفظي فقط، وليس بخلاف جوهريّ، كل المعاني تؤدي إلى معنى الشرك الذي أراده الله عز وجل، فالشرك له حقيقة شرعية بينها الله تعالى بيانًا لا لبس فيه، وهو اتخاذ النِّدِّ مع الله، وكل من النّدّ والكفء والشبيه والمثل والعدل والآلهة والشركاء كلها معانٍ متقاربة تدل على هذا المعنى، وقد دل على ذلك ما رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله تعالى؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» .. الحديث. وروى (( مسلم ) )عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك» .. الحديث. أي الذنب أعظم، أي الذنب أكبر.
وروى (( الشيخان ) )عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا: الإشراك بالله» . أكبر الكبائر، أعظم الذنب، أكبر الذنب «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» . هذا تفسير نبوي واضح بيّن، فأكبر الكبائر وأعظم الذنب وأكبره هو الشرك فهو تفسير باتخاذ الند في الحديثين السابقين، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا» . ثم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» . وهو أعظم الذنب قال: الإشراك بالله. إذًا الإشراك بالله تفسيره في الحديث الآخر الذي سئل عنه أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» . فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة الشرك بالله حيث فسره كما فسره الله تعالى في كتابه بأنه اتخاذ الندّ مع الله تعالى، وهو أكبر المعاصي، وأكبر الكبائر، وإذا كان كذلك حينئذ كثير من المتأخرين تباعًا لابن القيم ومن قبله كذلك فسّروا التوحيد بأنه تشبيه، إما أنه قائم على التَّشَبُّه أو التَّشْبِيه. إذا اخترنا هذا التعريف هل ثَمَّ تنافي بَين أن يكون فيه تشبهٌ أو تشبيه مع اتخاذ الندّ مع الله؟ نقول: لا، هو عينه، بل هو قائم عليه، اتخاذ النِّدِّ لم اتخذه؟ لكونه شَبَّه أو تَشَبَّهَ فلا تعارض بينها، كل هذه المعاني التي أرادها أهل العلم كلها تصب في معنى واحد، لكن من حيث التعبير كما قعدنا أن العقيدة لا بد أن تكون موافقة لما أراده الله عز وجل لفظًا ومعنى، فلا نثبت لفظًا إلا وقد جاء في الكتاب والسنة، كذلك إذا جاءت الألفاظ في الكتاب والسنة لها معانٍ، هذه المعاني قطعًا أنها معلومة من الكتاب والسنة فلا نضيف ولا ننقص، فلا نضيف ولا نزيد عليها معاني، ولا ننقص من المعاني التي دلت عليها نصوص الوحيين ولا نبدل ونحرف. حينئذ نقول: هذا لا ينافي أن يكون مبنى الشرك هو التشبيه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق، والتشبيه للمخلوق به. وهذا الذي كان سببًا موصلًا لاتخاذ الندّ مع الله تعالى فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.