قال المقريزي رحمه الله تعالى في (( تجريد التوحيد ) ): وبالجملة فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك. ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يقربه ذلك إليه تعالى فإنه يخطئ لكونه شَبَّهَهُ به. يعني من تقرب إلى غير الله لكون ذلك الغير يقربه إلى الله تعالى فقد أخطأ، لماذا؟ لأنه لن يوصله أولًا، ثم هو لم يجعل له نصيبًا من العبادة إلا بعد أن قَرَنَ بينهما مقارنة فشَبَّهَ المخلوق بالخالق، وأخذ ما لا ينبغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه سبحانه وتعالى حقَّهُ، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله.
ووجه التشبه والتشبيه في الشرك أن نقول: أن أفعال الرب جل وعلا من الملك والتدبير والنفع والضر والعطاء وغير هذه من خصائص الربوبية هذه كلها لله عز وجل، الملك التدبير لله عز وجل، النفع والضر لله عز وجل، المنع والعطاء هذه لله عز وجل، فمن جعل شيئًا من ذلك للمخلوق حينئذ نقول: شَبَّهَ المخلوق بالخالق لأن الذي ينفرد بالخلق هو الله، الذي ينفرد بالرزق هو الله عز وجل، الذي ينفرد بالمنع والضُّرّ هو الله عز وجل، الذي بيده تصريف كل شيء هو الله عز وجل، فإذا جعل شيئًا من ذلك للمخلوق حينئذ سوَّى بينهما وشبَّه المخلوق بالخالق.
وكذلك الكمال المطلق من جميع الوجوه هذا من خصائص الربوبية الموجب إفراده تعالى بالعبادة كلها له وحده، يعني لماذا تفرد الله تعالى بكونه هو المعبود الحق؟ لِمَا له من كمال الصفات والأسماء، لذلك توحيد الربوبية أساس لتوحيد الألوهية، أولًا اتصف بأفعاله جل وعلا ولم يشركه فيها غيره، حينئذ نقول: هو الذي اقتضى أن يُعبد الرب جل وعلا دون ما سواه، لماذا يُعبد الله؟ لأنه هو الذي يخلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يحيي ويميت .. إلى آخره. حينئذ صار كالتعليل له، ولذلك قال أهل العلم في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ذكر رب العالمين كالعلة لكون الحمد متعلقًا بالله، الحمد لله كأنه قال الحمد للإله أو للمعبود، لماذا؟ لكونه رب العالمين. فصار كالعلة لما سبق.
إذًا الكمال المطلق من جميع الوجوه من خصائص الربوبية، وهذا موجب إفراده تعالى بالعبادة كلها له وحده، من الدعاء والرجاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة فمن جعل شيئًا من ذلك للمخلوق فقد شَبَّهَ المخلوق بالخالق. وأما التَّشَبّه به تَشَبُّه المخلوق بالخالق كالعظمة والكبرياء.
في (( الصحيح ) ): قال - صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته» . فمن تعاظم في نفسه وتكبر فقد تشبّه بالله عز وجل ونازعه في خصائص الربوبية والألوهية.
وفي (( الصحيحين ) )قال - صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» . فمثَّل بالذرة والشعيرة الأدنى على ما هو أعظم منهما وأكبر.
وفي (( الصحيح ) )عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أن أخنع الأسماء» . يعني أذل ذليل «إن أخنع الأسماء عند الله عز وجل رجل يُسمى بشاه شاه» . أي ملك الملوك لا ملك إلا الله. وهكذا كل ما اتصف الله عز وجل به فحينئذ إذا نسبه المرء أو الإنسان لنفسه فقد شبَّه نفسه بالله، تشبه هو بنفسه، فالتشبيه يكون للغير بالله عز وجل، والتشبه يكون بالنفس.
إذًا هذا ما يتعلق بذكر الشرك من حيث المعنى الشرعي.
والذي أؤكده أن المعنى الشرعي معنى مقطوع به ولا خلاف فيه بين السلف، بل لا خلاف في معناه بين الرسل والأنبياء، فكلهم اتفقوا على معنى لا إله إلا الله وهي من أوضح المعاني، وكلهم اتفقوا على معنى الشرك الذي نهى الله عز وجل الأمم عنه.
أنواع الشرك: اختلفت عبارات أهل العلم في تقسيم الشرك، وأجمع التقسيمات وأصحها أن يقال: الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر.
والشرك نوعان فشرك أكبر ... به خلود النار إذ لا يغفر
والثانِ شرك أصغر وهو الريا ... فسره به خِتام الأنبياء
وبينهما أبيات.