قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب الخوف من الشرك) . سبق بيان ما يتعلق بهذه الترجمة، وأن التقدير [باب وجوب الخوف من الشرك] وهل المراد الشرك هنا الشرك الأكبر أو الأصغر؟ قلنا: ظاهر الترجمة أو صنيع المصنف رحمه الله تعالى أنه أراد النوعين الشرك الأكبر والأصغر، ولا شك أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله عز وجل، ونفي الشرك عن الله عز وجل فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، ولذلك ما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيء من الأوامر إلا جعله أولها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أولها، فدل على أن أعظم ما يؤمر به هو توحيده جل وعلا وأعظم ما يُنهى من النواهي التي نهى الله تعالى عنها هي الشرك.
وقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ذكرنا أن المصنف رحمه الله تعالى ذكر آيتين وثلاثة أحاديث وإحدى عشرة مسألة، حينئذ هذه المسائل متعلقة بالاستنباط من هذه الآيات والأحاديث، ومراده من هذه الآيات والأحاديث هو ما يدل على وجوب الخوف من الشرك، لم يرد المصنف هنا بيان حقيقة الشرك لأن حقيقة الشرك في الحقيقة لا تتبين إلا بمعرفة التوحيد، لا بد أن تعرف ما هو التوحيد أولًا حينئذ يتبين لك حقيقة الشرك على وجهه وسيأتي في باب مستقل (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله) حينئذ نذكر هناك أنواع الشرك الأكبر التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في غير ما موضع.
وقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} هذه الآية لها سبب نزول كما قال غير واحد من المفسرين، قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: وذُكِرَ أن هذه الآية نزلت في سبب أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] فلما نزلت هذه الآية {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} ظن بعض الأقوام أن هذه الآية شاملة للمشركين ارتابوا في أمر المشركين لما نزلت هذه الآية، هل هم داخلون تحت رحمة الله عز وجل أم لا؟ ثم ساق بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما نزلت {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي، أسرفوا على أنفسهم بالشرك الأكبر، هذا محتمل من حيث اللفظ فقام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .. إلى قوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] فدل ذلك على أن ثم ارتياب في أمر المشركين هل هم داخلون في آية {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} فبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية أو بهذا الجواب أن الشرك ليس داخلًا في هذه الآية.
ثم قال ابن جرير رحمه الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي الشرك {لِمَنْ يَشَاءُ} من أهل الذنوب والآثام.