فثَمَّ تقسيم ظاهر واضح بَيّن من الآية، فإذا كان ذلك معنى الكلام قال ابن جرير: فإذا كان ذلك معنى الكلام فإن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} في موضع نصب لوقوع {يَغْفِرُ} عليها لأن {يَغْفِرُ} هذا فعل مضارع متعدِّي، فإذا كان متعدِّيًا حينئذ يحتاج إلى مفعول به يقع عليه {يَغْفِرُ} ماذا ما هو الذي وقعت عليه المغفرة؟ فلا بد من بيانه حينئذ المفعول به قد يكون ظاهرًا منطوقًا به صريحًا اسمًا صريحًا، وقد يكون مؤولًا بالصريح كشأن المبتدأ وغيره، فحينئذ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ، {أَنْ} حرف مصدري، و {يُشْرَكَ} هذا فعل مضارع منصوب بـ {أَنْ} ، و {أَنْ} وما دخلت عليه في تأويل مصدر، والمصدر اسم.
إذًا {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ} إشراكًا به، أو {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ} الإشراك به، حينئذ استوفى الفعل مفعوله من جهة التأويل والتقدير، ولذلك قال فإن قوله: {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} في موضع نصب بوقوع {يَغْفِرُ} عليها، وإن شئت قلت: وجهًا آخر أن منصوب بنزع الخافض، وإن شئت قلت بفقد الخافض الذي يخفضها لو كان ظاهرًا وذلك أن يوجه معناه إلى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} على تأويل الجزاء كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبًا مع شرك أو عن شرك به. جعله منصوبًا بنزع الخافض أو أنه على تقدير فقد الخافض كما قال، لكن المعنى الأول أولى، بل هو المتعين لماذا؟ لأن نزع الخافض هذا سماعي، بمعنى أنه سماعي في موضع ما، وما عداه أنه قياسي في موضع ما، وما عداه فهو سماعي، وإنما يكون قياسيًّا متى؟ قبل (أن) ، ... [نعم] مع (أَنَّ) و (أَنْ) ، (أنّ) المشددة و (أنْ) {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ} [النساء: 127] في أو عن، فيحتمل هذا أو ذاك، وأما ما عداه فلا يكون قياسيًّا البتة بل هو سماعي، وعليه يكون الأول أولى، وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون (أنْ) في موضع خفض في قول بعض أهل العربية وهذا كما ذكرنا فيه نظر.
ثم قال: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركًا بالله تبارك وتعالى. حينئذ دل كلام ابن جرير رحمه الله تعالى - وهو إمام المفسرين - على أن ثَمَّ أمرين: كبيرة، وشرك. وأطلق على الشرك أنه كبيرة، ولذلك قال ما لم تكن كبيرته شركًا، حينئذ يُسمى الشرك كبيرة ولذلك جاء في حديث أبي بكرة أكبر الكبائر «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثًا قال: ... «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» فجمع بينهما وأطلق على الكل بأنه أكبر الكبائر حينئذ يسمى الشرك كبيرة وهو أكبر الكبائر، ويسمى ذنبًا، ويسمى معصية، ولكنه خُصّ في استعمال الشارع باسم خاص إذا أطلق انصرف إليه وهو الشرك بالله، حينئذ إذا جاء الشرك بالله هذا اللفظ تعين في معناه الشرعي الحقيقي اتخاذ الند مع الله، وإذا جاء لفظ الكبيرة أو المعصية حينئذ يحتمل إطلاقه على الشرك وعلى ما هو دونه، ولذلك قال ابن جرير - وتنبه لهذا: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركًا بالله تبارك وتعالى. إذًا الكبيرة على نوعين:
كبيرة لا يغفرها الله عز وجل وهو الشرك به.
وكبيرة هي داخلة تحت المشيئة، إن شاء عفا عنه، وإن شاء آخذهم.
وتمام الآية {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} .