فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 2014

قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} في عبادته غيره من خلقه فقد {افْتَرَى} اختلق {إِثْمًا عَظِيمًا} يقول: فقد اختلق {إِثْمًا عَظِيمًا} وإنما جعله عز ذكره مفتريًا لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله تعالى، وإقراره بأن لله عز وجل شريكًا من خلقه أو صاحبة أو ولدًا. فقائل ذلك مفتر وكذلك كل كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له. فدل ذلك كلام ابن جرير رحمه الله تعالى على تمام الآية أن أولها وآخرها في سياق واحد وهو كلامه في الشرك الأكبر {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . ثم ختم الآية بقوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} وهذا الشرك المراد به باتفاق المراد به الشرك الأكبر لقوله {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} هذا الوصفان إنما يختصان بالشرك الأكبر دون الأصغر، حينئذ توافق على كلام ابن جرير بأن آخر الآية وأولها سواء، والحديث إنما هو في الشرك الأكبر.

قلت: وكما ترى فابن جرير رحمه الله تعالى حمل الآية على الشرك الأكبر فقط

وفي الآية الأخرى {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] جاءت هذه الآية في موضعين من سورة النساء أولها على ما ذكرنا سابقًا، والثانية أعيدت قيل من باب التأكيد وقيل لقصة ما، ولا يعنينا هذا وإنما المراد أنه ختمها في أول سورة النساء بقوله {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، وختمها في آخر السورة بقوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} . قال ابن جرير يعني ومن يجعل لله في عبادته شريكًا فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل ذهابًا بعيدًا وزوالًا شديدًا وذلك أنه بإشراكه بالله في عبادته قد أطاع الشيطان وسلك طريقه وترك طاعة الله ومنهاج دينه فذاك هو الضلال البعيد والخسران المبين. وهذا يُؤيد ما سبق أنه حمل الآية في الموضعين على الشرك الأكبر فقط دون الأصغر.

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية: ثم أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يُشرك به. أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} أي من عباده، وهذا واضح بين أن ابن كثير رحمه الله تعالى قد تبع ابن جرير في حمل الآية أولها وآخرها على الشرك الأكبر دون الأصغر.

وقد أورد القرطبي رحمه الله تعالى هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . وقال: هذا من المحكم المتفق عليه. يعني في أول الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} . قال: هذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. وهذا إنما يكون في ماذا إذا حمل النص على الشرك الأكبر فحسب، وإلا لو سوغ بأن اللفظ شامل للشرك الأصغر هذا لا يكون من المحكم، لأن المحكم ما هو؟ ما اتضح معناه، والمتشابه؟ ما احتمل أو ما لم يتضح معناه. وإذا كان كذلك فإذا كان هذا من المحكم المتفق عليه بين الأمة دل على أن أول الآية المراد به الشرك الأكبر فحسب.

قال في (( التيسير ) ): فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره. أي إلا بالتوبة منه، وما عداه يعني ما عدا الشرك الأكبر فهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء غفره بلا توبة، وإن شاء عذبه به. وهذا يوجب شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله كما ترى كذلك في (( التيسير ) )ذهب إلى ما ذهب إليه ابن جرير وابن كثير والقرطبي بأن هذه الآية محمولة على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولذلك قال: تبين بهذا. أي بهذا النص بعد أن ساق الآية أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره فخصّ عدم المغفرة بماذا؟ بالشرك الذي هو أعظم الذنوب وهذا خاص بالشرك الأكبر باتفاق، ولا يشمل الشرك الأصغر باتفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت