فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 2014

وقال الرب جل وعلا لصفوة الخلق وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد أن أثنى عليهم {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] ولا شك أن الإحباط خاص بالشرك الأكبر. وقال: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} أشركوا فعل ماض وهو منسبك من مصدر وزمن وهو المصدر نكرة ووقع في سياق الشرط فيعمّ هذا الأصل، حينئذ أطلق الرب جل وعلا أشركوا وأراد به الشرك الأكبر فصار حقيقة فيه.

وقال لخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، {لَئِنْ} هذه شرطية {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} فيه مصدر وهو نكرة ومع ذلك محمول على الشرك الأكبر بدليل قوله: {لَيَحْبَطَنَّ} والإحباط والحبوط إنما يكون للشرك الأكبر دون الأصغر. وهذا من تقدير وقوع المحال {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} وفيما سبق للأنبياء لو أشركوا هذا من تقدير وقوع المحال وهو كثير في لغة العرب، أي لو قدر وقوع ذلك من ملك أو رسول لكان كغيره من المشركين في حبوط عمله وحلول غضب الله عليه، وإلا فلم يرسل الله عز وجل رسولًا إلا معصومًا من جميع المعاصي عند الكثير وأما الشرك والكبائر فمحل إجماع فضلًا عن الشرك {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] . فإذا تقرر ذلك فقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} المراد به الشرك الأكبر لأنه صار حقيقة فيه. ولذلك ابن جرير رحمه الله تعالى وكذلك ابن كثير وغيرهما من المفسرين لم يحملوا هذا النص إلا على الشرك الأكبر فحسب، ولم يوردوا كلام من قال: بأن (أن) وما دخلت عليه بتأويل مصدر وأرادوا تعميم الشرك في النوعين وأعرضوا عن هذا فدل على أن استعمالهم لهذا النص على ما جاءت به الشريعة أن المراد به هو الأكبر فحسب، لأن استعمال الشرع للفظ الشرك إنما يحمل على الأكبر فحسب.

فإذا تقرر ذلك فقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} المراد به الشرك الأكبر، وخصّ الأكبر دون الأصغر لأن الأكبر أعظم ذنب عُصِيَ الله تعالى به فلهذا أخبرنا سبحانه أنه لا يغفره، وأنه لا أضل من فاعله وأنه مخلد في النار أبدًا لا نصير له ولا حميم ولا شفيع يطاع. ويؤكده سياق الآية إذ آخرها في الأكبر لقوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ... [النساء: 48] ، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] فدل على أن أولها فيها فيه كذلك يعني في الشرك الأكبر لأن السياق مُحَكّم هنا، لأن الآية أولها وآخرها في حديث عن شيء واحد متحد حينئذ {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} بيان لماذا لا يغفره الله عز وجل؟ كأنه قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} لأن من أشرك به {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} ، {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} حينئذ صار خاتمة الآية كالتعليل للحكم السابق، والحكم السابق خاص بماذا؟ بالشرك الأكبر كذلك التعليل إنما رتبه على الشرك الأكبر وهو محل وفاق بين أهل العلم، فدل على أن أولها في الشرك الأكبر كذلك والسياق مُحَكَّم، ويؤكده أنه في القرآن الكريم إذا أُطْلِقَ الشرك انصرف إلى الأكبر إلا بقرينة واضحة بَيِّنَة، وهنا القرينة تدل على أنه أراد الأكبر، يعني لو لم يرد قرينة لحملنا اللفظ على الأكبر، فكيف إذا جاءت قرينة تدل على أنه أكبر، ولذلك لا نزاع بين الأصوليين أن صيغة افعل إذا جاءت ما يدل من القرائن على أنها للوجوب باتفاق محل إجماع ليست محل خلاف بين الأصوليين، إذا قال: صَلِّ وإلا قتلتك. صل بالإجماع أنها للوجوب لماذا؟ لأن ثم قرينة تدل على أن المراد بصل هو الوجوب وهذا محل إجماع لا خلاف فيه، وإنما وقع الخلاف فيما إذا قال: صل فقط دون قرينة هل هي للوجوب أم الاستحباب أم الإباحة أم إذا جاءت من الرب فهي للوجوب ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي للاستحباب؟ والصحيح أن إجماع الصحابة على أنها للوجوب، والخلاف الذي هو عند الأصوليين خلاف حادث لا يُلتفت إليه ككثير من المسائل عند المتأخرين، وهنا القرينة تدل على أنه أراد الأكبر فقط، وهو آخر الآيات فلا يصح حمله على النوعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت