والتقسيم الذي ورد في سياق الآية مراد من حيث ترتيب الحكم عليه وهو المغفرة وعدم المغفرة، حينئذ لا يقال بأن الذنوب تنقسم إلى ثلاث مثلًا أو إلى أربع أو إلى خمس ونورد النزاع بين أهل العلم في مثل هذا التقسيم لأن الله تعالى بيَّن أن المغفرة تتعلق بنوع دون آخر وخص هذا النوع وجعل مقابله عامًا ورتب عليه الحكم وهو المغفرة، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} هذا نوع من الذنب، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وهذا نوع آخر هذا تقسيم ثنائي مراد ولكنه باعتبار ماذا؟ المغفرة وعدمها وليس باعتبار حقيقة الذنب من حيث هو حينئذ، لا نقول: الذنوب ثلاثة أقسام: شرك أكبر، وشرك أصغر، وبدعة، وكبيرة، وصغيرة. فتميزت في حقائقها فلا بد أن تمتاز في الأحكام المترتبة على ذلك كما قال بعضهم وسيأتي. ونقول: هنا المراد بالتقسيم من حيث المغفرة وعدم المغفرة، فليس إلا قسمان فحسب: شرك أكبر وما دونه، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} يعني ما هو أقل من الشرك والكفر. ولذلك قال هنا: «إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» . فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وهذا مأخوذ فهمًا من النص السابق وهو الآية.
وأخرج أبو داود في (( ناسخه ) )وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال في هذه الآية: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يُأيسهم من المغفرة. هذا ابن عباس ذكره في التفسير قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} . قال ابن عباس: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر. يعني متلبسًا بالشرك الأكبر، انظر هنا أطلق الكفر على الشرك فدل ذلك لما قررناه سابقًا وقد يأتي أن الشرك الأكبر والكفر الأكبر مترادفان في استعمال الشرع وإن كان بينهما خلاف ولكنه ليس خلاف جوهري، وأرجأ أهل التوحيد ودخل فيه من وقع في الشرك الأصغر لأنه مقابل لمن مات وهو كافر. قال: وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يأيسهم من المغفرة. فدل قول ابن عباس على أن الشرك الأصغر داخل في مفهوم أهل التوحيد وجعله مقابلًا لمن لم يغفر الله عز وجل له حينئذ الشرك الأصغر يكون داخلًا تحت المشيئة. إذًا نقول: لا شك أن الشرك الأصغر داخل في الكبائر ولا شك في هذا، ولذا خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، فسئل عنه فقال: «الرياء» ) . وظاهر الآية كما ذكرنا سابقًا التقسيم باعتبار المغفرة وعدمها تنبه لهذه وخذها فائدة بالمجان ظاهر الآية التقسيم بين نوعين من الذنوب كأن الله عز وجل قال الذنب نوعان: ذنب يغفر، وذنب لا يغفر. بمعنى إذا مات عليه حينئذ الذنب الذي لا يُغفر هو الذي عناه بصدر الآية، والذنب الذي هو داخل تحت المشيئة هو {مَا دُونَ ذَلِكَ} الذي علَّقه بعدم المغفرة، وظاهر الآية التقسيم باعتبار المغفرة وعدمها إذ الذنب نوعان: ذنب لا يغفر وهو الشرك وذنب تحت المشيئة، فهما قسمان متقابلان، ولهذا أطلق على الشرك أنه أكبر الكبائر جاء في نصوص أن الشرك من الكبائر بل هو أكبر الكبائر كما في حديث أبي بكرة في الصحيحين قوله - صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» - ثلاثًا - «الإشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور» .. إلى آخر الحديث. إذًا سوى بينها في ماذا؟ في الحقائق؟ أم في الحكم المترتب عليها؟ أم في الاسم؟ في الاسم، ليست في الحقيقة، يعني حقيقة الشرك مغايرة لحقيقة العقوق وشهادة الزور، وكذلك ليس في الحكم المترتب عليها لأن الوقوع في الشرك مخرج من الملة وليس بداخل تحت المشيئة بالإجماع، ومع كون العقوق وشهادة الزور داخلين تحت المشيئة، حينئذ لم يبق إلا قسم الكبيرة فحسب. إذًا الشرك يعتبر من الكبائر بل من أكبر الكبائر، كذلك عقوق الوالدين يعتبر من الكبائر بل من أكبر الكبائر، كذلك شهادة الزور. إذًا المراد هنا في الإطلاق فحسب، وليس المراد الحكم المترتب على كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة، إذ كل نوع له حكم يختص به.
وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك» . وهذا يدل على أن الشرك هو دعاء غير الله، وهو كذلك ذنب يعني يسمى ذنبًا وهو أعظم الذنب عند الله.