فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 2014

إذًا مقصودي من هذا البحث أن الشرك يُسمى كبيرة ويُسمى معصية ويُسمى ذنبًا كما أن سائر .. ، والبدعة تسمى ذنبًا والعقوق يُسمى ذنبًا وكبيرة ومعصية فالأسماء لا يلزم منها اتحاد الحكم، كما أنها في الحقائق مختلفة كذلك في الحكم، حينئذ يدل ذلك على أن المراد في الآية هو التقسيم باعتبار المغفرة وعدمها، وليس المراد من كونه كبيرة أو دون ذلك أو نحو ذلك، كما قاله بعضهم.

قال ابن الجوزي في (( تفسيره ) ): والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه. يعني حمله على الشرك الأكبر، وأنا تعنيت أن أبحث في كتب التفسير من جوَّز إطلاق الشرك الأصغر هنا في هذه الآية فلم أقف على قول واحد، وأمهات التفاسير على حمل الآية على الشرك الأكبر فحسب، وليس ثَمَّ قول بأنه يشمل الشرك الأصغر كما قال بعض المتأخرين.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه. ولا شك أن المراد به الشرك الأكبر. وفي قوله - هذا كلام ابن الجوزي - {لِمَنْ يَشَاءُ} نعمة عظيمة. قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} فيه نعمة عظيمة من وجهين:

-أحدهما أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يُقطع عليه بعذاب. نعم كل من مات دون الشرك لا يُقطع عليه بعذاب، يعني لا نحكم عليه بالنار تحت المشيئة، رأيته على خمرة فمات مباشرة ماذا تقول: في النار؟ لعنه الله أخزاه الله؟ نقول: هذا تحت المشيئة. إن شاء الله عفا عنه وإن شاء آخذه. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

إذًا لا يقطع عليه بعذاب وإن مات مصرًا.

والثاني أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع، وهذا الذي عناه الإمام هنا بقوله: (باب الخوف من الشرك) . قال: {لِمَنْ يَشَاءُ} . إذًا قد لا تكون أنت داخلًا تحت المشيئة فيجب تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين من حيث ماذا؟ من حيث أن يكونوا على خوف وطمع لأنك لا تجزم بالمغفرة، وإذا لم يكن كذلك تكون خائفًا، هذا الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى. وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} أي يغفر ما دون الشرك الأكبر من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} من عباده، ما دون يعني ما هو أقل، وليس المراد ما سوى الشرك لأنه قد يساويه عندما فرق بين الشرك والكفر، لكن المراد {مَا دُونَ ذَلِكَ} يعني ما هو أقل من الشرك الأكبر، فدخل فيه الشرك الأصغر، لماذا؟ لأننا قلنا: بأن المراد {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الشرك الأكبر {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} ما هو أقل من الشرك الأكبر حينئذ دخل فيه دخولًا أوليًّا الشرك الأصغر وهذا هو المراد، حينئذ نقول: الصحيح من قولي العلماء بأن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة مثله مثل غيره من الذنوب، وإنما اختص عدم المغفرة هنا بالشرك الأكبر فحسب. وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} أي يغفر ما دون الشرك الأكبر من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} من عباده. فدل على أن الأصغر تحت المشيئة.

وفي (( الصحيح ) )أنه - صلى الله عليه وسلم: أُعْطِيَ ثلاثًا منها، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا الْمُقَحِّمَات أو الْمُقَحَّمَات. يعني الكبائر، فتبين بهذه الآية ونحوها أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وأما ما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء غفر لمن لقيه به، وإن شاء عذبه، ولا يجوز أن يحمل قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} على التائب، هل يجوز؟ لا يجوز {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} رتبه على المشيئة لأن التائب مغفور له وإنما هنا علقه بالمشيئة لكونه قد مات على معصية ولم يتب. إذًا المعاصي من ارتكب الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر وتاب قبل موته فهو مسلم إن ارتكب الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر ومات دون توبة لا يغفر الله له البتة، من وقع في ذنب من الذنوب دون الشرك الأكبر وهو الشرك الأصغر أو البدعة غير المكفرة أو ما هو دونها حينئذ إما أن يتوب حينئذ مرده إلى التوبة من حيث القبول وعدمها، وإما أن يموت دون توبة وهو الذي عناه الرب جل وعلا بهذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت