فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 2014

إذًا لا يحمل قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} على التائب فإن التائب من الشرك مغفور له بنص القرآن. إذًا ترجح بهذا البحث المختصر أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} المراد به الشرك الأكبر.

فإن قلت: قوله: {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} من صيغ العموم، نحن نقرر هذا دائما بأنه نكرة في سياق الشرط أو النفي أو النهي أو الاستفهام، والنكرة إذا وقع في سياق واحد من هذه الأمور عَمّت، وإذا عمت ليس عندنا إلا نوعان شرك أكبر وشرك أصغر. فالقواعد تقتضي ماذا؟ أن عدم المغفرة متعلقة بجنس الشرك الصادق بالنوعين، ولذلك حُكِيَ في قولي ابن تيمية رحمه الله تعالى حمله على النوعين، وتبعه جمهرة من المتأخرين بأن الآية عامة وعمومها باق على ما هو عليه حينئذ يشمل جنس الشرك الصادق بنوعيه الأكبر والأصغر. إذًا إن قيل بأنه من صيغ العموم نقول: قوله: {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} هذا فعل، والفعل إما أن يكون مثبتًا، وإما أن يكون منفيًا. لأنه إذا بحث من حيث كونه صيغة عموم أو لا فرق بين الصيغة التي يكون متفقًا عليها، وبين الصيغة المختلف فيها، فإذا كان ثَمَّ خلاف في صيغة ما حينئذ يرد إلى أمر مجمع عليه، فإذا قيل مثلًا بأن هذه الصيغة مختلف فيها حينئذ الإجماع على ما سبق ذكره بكون الآية في الشرك الأكبر، وذكرنا أقوال المفسرين وقول ابن عباس ولم ينقل عن أحد منهم أنه عَمَّمَ الآية حينئذ نقول: هذا إجماع فهو قاض على القاعدة المختلف فيها، واضح هذا؟ فإذا قيل: بأن هذه الصيغة من صيغ العموم المختلف فيها حينئذ لا يقدم المختلف فيه على المتفق عليه. ولذلك قلنا مرارًا: ثَمَّ فرق بين الواجب المتفق عليه والواجب المختلف فيه، بين المحرم المتفق عليه والمحرم المختلف فيه. هذا تستفيد منه أنت من حيث العمل ومن حيث الدعوة، ومن حيث الإنكار ومن حيث دعوة الناس إلى ما هم فيه، إما أن يكون ترك واجبًا متفقًا عليه فيختلف الأسلوب في الدعوة أن يكون ثَمَّ واجب مختلفًا فيه فيختلف الأسلوب، كذلك المحرم إذًا الصيغة المتفق عليها هذه لها شأنها والصيغة المختلف فيها هذه لا تعارض بما اتفق عليه. فإذا قيل: القرآن من أوله إلى آخره لا يستعمل الشرك إلا في الشرك الأكبر حينئذ صار هذا استقراءً تامًا، وإذا صار استقراءً تامًا حينئذ صار حجة قاطعة، وإذا كان حجة قاطعة لا يُقدم عليه المظنون وهو المختلف فيه، واضح هذا. ولذلك نقول: الفعل إما أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فالمثبت لا يعمّ عند جماهير الأصوليين، وحكي الإجماع. ووجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعمّ هو أن الفعل ينحل عند النحويين وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن. ينحل الفعل يعني مركب من ماذا؟ يضرب فيه ضرب وزمن، ضرب فيه ضرب وزمان، اضرب فيه ضرب وزمان، يعني فيه مصدر والمصدر نكرة وفيه زمان، والزمن يختلف باختلاف الصيغة، ماض مضارع مستقبل. إذًا ينحل إلى مصدر وزمن، وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة، النسبة التي هي نسبة الإسناد هذه أفاض فيها ياسين في (( حاشيته على مجيب الندا ) )فارجعوا إليها. فالمصدر كامن في معناه إجماعًا، المصدر كامن يعني مستتر أو أشبه ما يكون داخلًا في الفعل بقوة، كامن في معناه إجماعًا، بمعنى أن المصدر موجود في كل فعل إجماعًا، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى، والأصل فيما إذا تُرُدِّدَ فيه هل هو معرفة أو نكرة رجعنا إلى الأصل وهو أنه نكرة، ولذلك نقول: المصدر الكامن في الفعل هنا نكرة على الأصل، ولم يتعرف. ولذلك نقدر كل نكرة مسوقة من حرف مصدر وفعل بأنه نكرة، ولذلك هنا نقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ} إشراكًا به، هذا على الأصل فنقدره نكرة لأن الأصل في المصدر الذي اشتق منه الفعل أنه نكرة، فإذا قدرناه نقدره نكرة، ولكن الأولى مراعاة للمعنى نقدره معرفة. فنقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ} الإشراك به، لماذا؟ لأنه أراد به هنا شيئًا معرفًا من جهة المعنى وهو أنه إذا أُطلق لفظ الشرك انصرف إلى الشرك الأكبر وصار حقيقة فيه، فصار كالعلم كلما أطلق انصرف إلى مسماه.

اسم يعين مسمى مطلقًا ... علمه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت