إذًا ومعلوم أن النكرة لا تعمّ في الإثبات وعلى هذا جماهير العلماء أن الفعل في الإثبات لا يعمّ. وقال ابن الحاجب: الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه مثل: صلى داخل الكعبة. النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى داخل الكعبة، الصلاة تعم، والصلاة أنواع، صلى فرض، صلى النافلة، والفرض المكتوبة والمنذورة والجنازة، هل نقول: صلى داخل الكعبة يعمّ الفرض والنفل؟ أم نقول: خاص بواحد دون آخر؟ ينبني على هذه المسألة، هل الفعل في سياق الثبوت والإثبات يعمّ أو لا؟ والصحيح أنه لا يعمّ، وإذا لم يكن عامًا حينئذ لم يصل إلا صلاة واحدة، ويستحيل أن تكون فرضًا مكتوبة منذورة جنازة نفلًا في وقت واحد، إما هذه، وإما هذه، يقول: صلى في الكعبة يعني صلاة واحدة، ما هي؟ إن قلتَ فرضًا انتفى النفل، إن قلتَ نفلًا انتفى الفرض، هذا مرادهم بكونه ليس بعام، صلّى داخل الكعبة، ولذلك يختلفون هل الفريضة تصح داخل الكعبة أو لا؟ فلا يعم الفرض والنفل، فالفعل في سياق الثبوت لا يعمّ كالنكرة المثبتة إلا أن تكون في معرض الامتنان، {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} نكرة في سياق الامتنان تعمّ، وهذا مستثنى. وأما الفعل المنفي كالمثال الذي معنا ففيه خلاف ليس متفق عليه من حيث الدلالة على العموم، الفعل المنفي هل يعمّ حتى إذا وقع في عين نحو: والله لا آكل، أو لا أضرب، أو لا أقوم، أو ما أكلتُ، أو ما قعدتُ .. ونحو ذلك، فوالله ما آكل، ولم ينو شيئًا هل يعمّ أو لا؟ إن قلتَ: يعمّ حينئذ حلف بالله أنه لا يأكل شيئًا البتة، إن نوى صارت النية مخصصة، لكن المثال هنا فيما إذا لم ينو هل يعم أو لا؟ يُنظر: إما أن يكون الفعل متعدِّيًا أو لازمًا، فالأول الذي هو المتعدِّي هو الذي يَنْصَبُّ فيه الخلاف عند الأكثر، والفعل الذي معنا؟ إذًا من هذا القسم انتبه، إما أن يكون متعدِّيًا أو لازمًا، فالأول وهو المتعدِّي هو الذي ينصب فيه الخلاف عند الأكثر، فإذا نُفِيَ لا يغفر ولم يُذْكَرْ له مفعول به ففيه مذهبان هل يعم أو لا؟ إذا لم يذكر مفعول به فيه مذهبان:
-أحدهما قول أصحابنا الحنابلة والمالكية والشافعية وأبي يوسف: إنه يعم. فالجمهور على أنه يعم.
والمذهب الثاني: أنه لا يعم. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى والقرطبي والرازي.
ومنشأ الخلاف بين الطائفتين هل يعمّ أو لا يعم إذا لم يُذكر مفعوله، أن المنفي هل هو الأفراد أو أو الماهية؟ إذا قال: لا آكل. وسكت، ما قال: لا آكل تمرًا. لا أضرب. ولم يقل لا أضرب زيدًا. سكت لم يأت بالمفعول، الكلام في المتعدِّي إذا لم يَذْكُرْ متعلقه يعم أو لا يعمّ؟ الجمهور يعم، وقول أبي حنيفة والقرطبي والرازي لا يعمّ الخلاف منشأ الخلاف هل النفي هنا منصب على الأفراد أو على الماهية؟ بمعنى لا آكل، الأكل له أفراد تأكل ماذا؟ كذا، وكذا، وكذا .. إلى ما لا نهاية، أو لا آكل جنس الأكل من حيث هو، وهذا متصور في الذهن. حينئذ إن قلتَ: النفي مسلط على الأفراد عمّ لأنها قابلة للتخصيص، وإذا قلتَ: النفي منصب على الماهية والحقيقة، الماهية في الذهن ولا تتعدَّد فلا يعمّ. هذا محل الخلاف بينهما هل يعمّ أو لا؟ ومنشأ الخلاف أن المنفيّ الأفراد فيقبل إرادة التخصيص ببعض المفاعيل به لعمومه، يعني إذا قلتَ: لا أضرب. وقصدت به أنواع الضرب الشدة والخفة .. إلى آخره حينئذ إذا كان المراد به الأفراد حينئذ يقبل التخصيص ويعمّ.
أو المنفي الماهية وحينئذ لا تعدد فيها فلا عموم.
والأول أصح أن المراد به الأفراد.
وقال البرماوي: فإن ذُكِرَ المفعول به - وهو الذي معنا لا يغفر إشراكًا أو الإشراك - وإن ذكر المفعول به كقولهم: لا آكل تمرًا أو لا أضرب زيدًا فلا خلاف بين الفريقين في عمومه وقبوله التخصيص. حينئذ يكون النظر لا من حيث الفعل وإنما يكون في المتعلق، لأن النظر في كلمتين (يغفر) ... و (إشراكًا) تقرر بما سبق وما ذكرناه أن (يغفر) يعم حينئذ العام في شيء عام في سائر متعلقاته، حينئذ يكون العموم في اللفظ عدم المغفرة بأي نوع من أنواع المغفرة، يشمل عموم الشرك من حيث ماذا من حيث الأفراد، هذا الكلام في القاعدة من حيث هي لا باعتبار ما رجحناه، بمعنى أن من نظر إلى القاعدة طبَّق القاعدة على ما هي عليه على التركيب ولم ينظر إلى استعمال الشرع، حينئذ قال: العموم من جهتين: