الدليل السادس: قول ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا. هذا بعيد، ثم هو قول صحابي، وقد دلت النصوص إن كان ظاهره التفريق بين الشرك الأصغر والكبائر من حيث ما يترتب عليه لا من حيث الحقيقية من حيث ما يترتب عليه بالمغفرة وعدمها نقول: هذا مخالفٌ للنص، ومتى يُعتبر قول الصحابي حجة؟ إذا لم يكن مخالفًا للنص، هنا قد وقع نصٌّ بيِّنٌ واضح بأن الشرك الأصغر داخلٌ في عموم قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} فإن وجد مفهومٌ لبعض الصحابة يخالف ذلك إن كان لم يُحْفظ له مخالف صار إجماعًا سكوتيًّا لكن هنا فيه مخالف كما سيأتي قال الخفيد سليمان في (( التيسير ) ): ذكره ابن جرير غير مسندٍ في التفسير وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه ورواه الطبراني بإسناده، هو ثابت عن ابن مسعود. والشاهد أنه جعل الحلف بغير الله وهو شركٌ أصغر أعظم من الكبائر وهذا لا نزاع فيه، جعل ابن مسعود الشرك الأصغر الحلف بغير الله جعله أكبر من الكبائر. نقول: هذا لا نزاع فيه هذا بحثٌ في الحقيقة، ومن حيث الذم عظيم كبير صغير وسط إلى آخره تختلف الذنوب، الذنوب مراتب ليست على مرتبة واحدة كما أن الدين من حيث الأركان الخمسة وغيرها مراتب، أليس كذلك؟ كونها مراتب تجتمع في كونها طاعة. إذا قيل: الصلاة طاعة وبر الوالدين طاعة، هل يلزم منه التساوي؟ لا، لا يلزم، تارك الصلاة كافرة وتارك بر الوالدين ليس بكافر بالإجماع. إذًا كونهما طاعة كونهما قربة لله عز وجل لا يلزم التساوي، فالأسماء شيء وما يترتب على الأسماء شيءٌ آخر فلا يلتبس عليكم الأمر. أنه جعل الحلف بغير الله وهو شركٌ أصغر أعظم من الكبائر وهذا بالإجماع ومعلومٌ أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الكبائر تحت المشيئة والشرك الأصغر أعظم من الكبائر فكيف يُعطى حكمها؟ هنا وقع اللبس كيف يُعطى حكمها؟ نقول: هنا الحكم هل هو حكمٌ شرعيّ أو اجتهاديّ؟ حكم شرعيّ حينئذٍ لا بد من نص، وأما مجرد الاجتهاد ومحاولة مفارقة الذنوب بعضها عن بعض وأن نجعل لكل ذنبٍ حكم يخصه نقول: هذا يُعتبر اجتهادًا فكيف يعطى حكمها؟ نقول: الشرع فهو حكمها وهو أعظم منها كما أن الشرك الأكبر أعظم منه فلم يعط حكمه لأن الشرع فرق بينهما، حينئذٍ إذا جمع الشرع بين ذنبين فأعطاهم حكم واحد ولو كان مختلفين مرتبةً من حيث ما يتعلق به إلا أنه مردٌّ إلى الشرع، وإذا فرق الشرع بين ذنبين ولو كان مشتركين في جنسٍ؟ نقول: الشرع فرق، أما قلنا: بأن الشرك هو اتخاذ الند مع الله! هذا جنس دخل فيه الشرك الأكبر والشرك الأصغر. إذًا الحقيقة من حيث هي واحدة هل يلزم التساوي في الأحكام؟ لم يلزم التساوي في الأحكام. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال له ذاك الرجل: ما شاء الله وشئت. بالإجماع هذا اللفظ بظاهره شركٌ أصغر: «أجعلتني لله ندًّا» ها نعطيه حكمه نخرجه من الملة؟ قال: «أجعلتني لله ندًّا» حينئذٍ فسّر أو حكم على هذه المقولة بأنها من باب التنديد، وإذا وُجِدَ التنديد حينئذٍ لا يلزم منه وجوده على وجه الكمال وهو أن يكون تنديدًا من كل وجه حينئذٍ يكون خارجًا من الملة، فالشرك الأصغر في منزلةٍ بين المنزلتين؟ نعم، من حيث الحقيقة هو في منزلةٍ بين المنزلتين، أما من حيث الأحكام والمغفرة وعدمها، فلا فرق بينهما الشرع، وهو جنسٌ مستقلٌ بنفسه فليس هو مثل الأكبر فيُعطى حكمه، وكذلك ليس هو مثل الكبائر فيُعطى حكمها فاستقل بحكمٍ خاص وهو أن الله لا يغفره هذا حكم الأكبر سحبته على الأصغر لكن لا يكفر فاعله ولا يخلد في النار هذا محل إجماع، وهذا اجتهادٌ في مقابلة النص. ثم الكبائر ليست على مرتبةٍ واحدة فهل كلما عظمت المرتبة أعطيناها حكمًا خاصًّا؟ نقول: لا، هل كلما عظمت المرتبة أعطيناها حكمًا خاصًّا؟ الجواب: لا، الشرك الأصغر أعظم مرتبة من الكبائر لا يلزم أن أعطيها مرتبة حكمًا خاصًّا بها بكونه داخلًا في جنس الشرك من حيث لا يغفره الله عز وجل.