فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 2014

إذًا هذا الكلام فيه نظر، وأما قول ابن مسعود فقد أخرج أبو داود في (( ناسخه ) )وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يُأيِّسهم من المغفرة. وهذا ثابت عن ابن عباس فيكون معارضًا لقول ابن مسعود، بل هو لا يعارض قول ابن مسعود لأن قول ابن مسعود حقّ في نفسه لأنه أراد ماذا؟ أراد أن ذنب الشرك الأصغر أعظم من ذنب الكبيرة، وهذا حقّ ولم يتعرض فيه هل يغفر له أم لا؟ هذه زيادة على النص، وقول ابن عباس هنا واضحٌ بَيّن: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر. هذا أشبه ما يكون بتفسيرٍ للآية السابقة: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} وهو إذا مات وهو كافر بمعنى الكفر الأكبر الشرك الأكبر، وأرجأ أهل التوحيد ودخل فيه من وقع في الشرك الأصغر إلى مشيئته فلم يأيسه من المغفرة.

وهناك تعليل: وهو أن الشرك مسبةٌ لله تعالى وتنقصٌ وجعل ندٍّ لله ولو من وجهٍ أصغر والكبائر المحضة نقصٌ في النفس وضعفٌ فكيف يُجعل ضعف النفس ونقصها مثل ما هو مسبةٌ لله وتنقصٌ ولو من وجهٍ أصغر لا يستويان؟ والجواب أنه اجتهادٌ وتعليل في مقابلة النصوص، وهذه المسائل في بيان حقائق الأسماء الشرعية وما يترتب عليها من أحكام توقيفية.

اسم الإيمان مسمى الإيمان وما يترتب عليه ليس لأهل السنة اجتهادٌ فيها البتة، كذلك حقيقة الشرك الأكبر والأصغر والكبائر كلها محل إجماعٍ بين أهل العلم أهل السنة والجماعة وليست مسائل اجتهادية، نعم الاجتهاد يكون بالاستنباط وتقوية الأدلة والنظر والاستدلال ونحو ذلك هذا محل الاجتهاد، وأما استئصال حكم جديد لم يدل عليه النص من جهة القياس نقول: هذا اجتهادٌ وقياسٌ فاسدٌ، وحينئذٍ نقول: كل ما ذكره هنا الشارح عفا الله عنا وعنه ليس فيه شيءٌ من الأدلة التي يمكن أن يجعل الشرك الأصغر داخلًا في مفهوم الآية. إذًا {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} هذه خاصةٌ بالشرك الأكبر.

ما يُستفاد من الآية: أولًا أن الشرك أعظم الذنوب لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره يعني الشرك الأكبر لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وما دونه من الذنوب فهو داخلٌ تحت المشيئة إن شاء غفره لمن لقيه به وإن شاء عذبه، هذا واضحٌ بَيّن.

ثانيًا: تُوجب الآية شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله تعالى لأنه إذا علم المسلم أنه إن وقع في هذا الشرك ومات عليه من غير توبة فالجنة عليه حرام، يخاف أو لا يخاف؟ يخاف، وهذا الخوف يكون حقيقيًّا متى؟ إذا أوجب له الفزع حتى يتعلم ما هو الشرك الأكبر وما أنواعه وما .. إلى آخره، وأما إذا لم يحصل له فزع واتجاه إلى تعلم هذه الأحكام فخوفه كاذب، دعوى أخاف من الشرك فقط فحينئذٍ نقول: ننظر في فعله هل استوجب هذا الخوف الذي قام بالقلب بأن اتجه إلى كتب أهل العلم ونظر في أنواع الشرك من أجل أن يتقي هذا الشرك يبتعد عنه، حينئذٍ نقول: نعم، الخوف موجود، وأما إذا كان مجرد دعوى فما أكثر الدعاوى، توجب شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله تعالى.

ثالثًا: أن الشرك الأصغر داخلٌ تحت المشيئة لقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} لأن الآية فيها تقسيم مغفرة، يُغفر، لا يُغفر، ودلت النصوص أن الشرك له حقيقة، وأن المراد بقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} المراد به الشرك الأكبر فحسب فحينئذٍ يدخل في مقابله ماذا؟ الشرك الأصغر. إذًا ثالثًا: أن الشرك الأصغر داخلٌ تحت المشيئة لقوله: ... {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، {مَا} اسم موصول بمعنى الذي فيعمّ، يعم كل الذنوب ويستثنى منه الشرك الأصغر لأنه خرج بأول النص فليس مرادًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت