رابعًا: دلت الآية على إبطال مذهب الخوارج المكفرين بالذنوب، ومذهب المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبيرة يدخلون النار ولا بد أوجبوا بأنه لا بد وأن يعذب من مات على كبيرةٍ ولم يتب منها لا بد من النار ولا يخرجون منها، وهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين يعني لا كفار ولا مؤمنين، ووجه ذلك يعني من الآية الدالة على إبطالها أن الله جعل مغفرة ما دون الشرك معلقةٌ بالمشيئة {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، {يَشَاءُ} فعل مضارع وفي غالب استعمال القرآن مفعول المشيئة محذوف {لِمَن يَشَاءُ} يشاء الله مغفرة ذنبه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} الله مغفرة ذنبه حينئذٍ {يَشَاءُ} الله مغفرة ذنبه وقد لا يشاء، فإذا شاء الله مغفرة الذنب حينئذٍ قد لا يدخله النار ابتداءً أليس كذلك؟ فدل ذلك على أن من يموت على كبيرةٍ ولم يتب بعضه داخلٌ تحت المشيئة فقد يشاء الله عز وجل ويعفو عنه ابتداءً. إذًا لم تجب له النار واضح هذا؟ إذًا وجه ذلك أن الله تعالى جعل مغفرة ما دون الشرك معلقةً بالمشيئة، ولا يجوز أن يحمل قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} على التائب لا يحمل على التائب، لأن المراد هنا في هذه الآية من مات على كفره وشركه ومن مات على كبيرته لم يتب لا من الشرك ولا من الكبيرة، هذا الذي أراده الله تعالى بهذه الآية، بخلاف آية الزمر فالمراد بها من تاب فلا يجوز أن يحمل قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} على التائب فإن التائب من الذنب مغفورٌ له سواءٌ كان تائبًا أو تاب من شركٍ أكبر أو كفرٍ أكبر أو كبيرة إلى آخره كما قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] : {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} ، {الذُّنُوبَ} جمع ذنب ودخلت عليه (أل) فهو من صيغ العموم فيعمّ ماذا؟ الشرك الأكبر والشرك الأصغر والكبائر، انظر هنا لما أريد الحقيقة أطلق على، سوَّى بينها في الاسم يدل يؤكد ما ذكرناه سابقًا، أن الحكم هنا باعتبار الذنوب قد يُراد به الحقيقة حقيقة الذنب من حيث هو، وقد يراد به الحكم المترتب على الحقيقة، حينئذٍ إذا نظرنا إلى الذنوب قلنا: كبيرة وصغيرة وبدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة وشركٌ أكبر وشركٌ أصغر، أما يغفر أو لا يغفر محصورٌ في نوعين اثنين واضحٌ هذا؟ هنا: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} لما أراد المغفرة سوّى بينها فأطلق عليها اسم واحد وهو الذنب، يؤكده أو لا يؤكد؟ احفظوها.
{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} فالتائب لا فرق في حقّه بين الشرك وغيره لهذه الآية، {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} فهنا عمّ وأطلق، عمَّمَ وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خاصَّ ما دون ذلك وعلَّق لأن المراد به من لم يتب، قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى. في آية النساء خصَّ وعلَّق، خصَّ مَنْ؟ [ها] في آية النساء، خصَّ وعلَّق هكذا قال ابن تيمية خصَّ مَنْ؟ خصَّ من مات على كبيرةٍ لأن من مات على ذنبٍ يختلف قد يكون هذا الذنب شركًا أكبر وقد يكون ما دون ذلك، خصّ الحكم وهو كونه مات على كبيرةٍ ما دون الشرك الأكبر ويدخل فيه الشرك الأصغر، وعلّق؟ علّق المغفرة بماذا؟ بالمشيئة. وهنا عمم وأطلق [ها] ؟ عمم الذنوب {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} ، {الذُّنُوبَ} عمم باسمٍ واحدٍ، [ها] وأطلق؟ أطلق ماذا؟ المغفرة، لِمَا قال: عمَّم وأطلق؟
المسألة أصولية. [نعم] فرقٌ بين التعميم والإطلاق، لكن مأخذه؟ نعم، أعطني محل التعميم ومحل الإطلاق، من أين أخذه من النص؟ {الذُّنُوبَ} محل التعميم لأنه جمع محلًّى بـ (أل) ، والإطلاق؟ [نقاش غير مسموع] الأفعال عند الأصوليين من قبيل المطلق، الفعل {يَغْفِرُ} هذا متضمن لمصدرٍ وهو نكرة حينئذٍ يكون من صيغ الإطلاق، ولذلك ينصون يقولون: النكرة في سياق الإثبات. هذه ماذا؟ تكون مطلقة، عمومها عمومٌ بدلي و {الذُّنُوبَ} عمومه عموم شمولي [أحسنت] هكذا {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ، {الذُّنُوبَ} هذا عام، و {يَغْفِرُ} هذا مطلق ... [جميل] .
خامسًا: فيه إثبات صفة المغفرة والمشيئة.