أي أكثر ما يُخيف النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفزعه هو الشرك الأصغر، أي أشد خوفٍ أخافه عليكم هو الشرك الأصغر. قوله: ( «أخوف ما أخاف عليكم» ) . ( «ما» ) اسم موصول بمعنى الذي في محل جر مضاف إليه، و «أخوف» اسم «إن» مضاف و «ما» مضاف إليه، و «أخاف» فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر وجوبًا يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أنا المتكلم وأخاف أصله «أخوف» على وزن أفعل، أَخَافَ أصله ( «أخوف» ) على وزن أَفْعَلُ حينئذ اكتفاءً بجزء العلة انقلبت الواو ألفًا، وعليكم متعلِّق به والكاف خطاب للصحابة لكنه ليس خاصًا بالصحابة بل المراد عموم أمته، وهو عام في الصحابة وفي غيرهم من المؤمنين فليس الحكم خاصًّا بهم كغيره من الأحكام الشرعية، فإذا خوطب الصحابي بأمر ما لا يتعلق الحكم به دون غيره، بل هو والأمة سواء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعِثَ مشرعًا مبيِّنًا مبلغًا عن الله عز وجل، حينئذ كل كلام وكل حكم يُعتبر بيانًا عامًا إلا بدليل إلا بقرينة تدل على أن الحكم هنا خاصّ، وهل المخاطب هنا ( «عليكم» ) يحتمل أن يكون المراد به كل الناس أم يختص بالمسلم، لا شك أنه الثاني يختص بالمسلم، لأن الذي يُخاف منه الوقوع في الشرك الأصغر مع سلامته من الشرك الأكبر هو المسلم، حينئذ لا يكون الخطاب عامًا لكل الناس فيشمل الكافر وغيرهم كما هو الشأن في سائر الآيات التي يُخاطب بها الناس، فيكون الكافر قد دخل كما أن المسلم هو داخل في النص، حينئذ ( «أخوف ما أخاف عليكم» ) أنتم أيها المؤمنون الذين جئتم بالتوحيد وكنتم موحدين يُخْشَى عليكم الوقوع في الشرك الأصغر، حينئذ يكون الحكم هنا ليس عامًا لجميع الناس إذ المسلم هو الذي يُخاف عليه الشرك الأصغر، والعائد هنا محذوف أي ما أخافه أخوف ما أخافه، إن أخوف ما أخافه لا بد من ضمير يعود إلى «ما» ، والشرك الأصغر مركب توصيفي خبر «إن» مركب التوصيفي يعني موصوف مع صفته، منعوت مع نعته، وقيّد الشرك هنا بكونه أصغر فدل على أن هذا الاسم اسم شرعي لأن الذي نطق به النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذ الاسم هذا ليس اصطلاحًا عند أهل العلم، وأما الشرك الأكبر، الأكبر هذا لم ينطق به النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أُخِذَ بدلالة المفهوم من هذا القيد، لأننا قلنا: شرك أصغر، أصغر هذا صفته، والصفة لها مفهوم عند الأصوليين حينئذ ثَمَّ ما يقابله وهو الأكبر، فحينئذ المقابلة هنا بين الأصغر والأكبر، فإذا أطلق النص في الشرع باسم الشرك فالأصل فيه حمله على الأكبر كما أنه إذا أُطلق الكفر فالأصل فيه حمله على الأكبر إلا إذا دل قرينة تدل على أنه محمول على الأصغر دون الأكبر.
إذًا قيّد الشرك هنا بكونه أصغر فيُستدل به على أمرين:
أولًا: أن التسمية شرعية. وفيه دليل واضح على أن الشرك ينقسم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما وهما الأكبر والأصغر، حينئذ دلت النصوص على أن التقسيم كذلك شرعي بمعنى أنه وإن كان لبعضهم كلام من حيث الاجتهاد والاستنباط لكن الظاهر والله أعلم لوجود هذا النص وغيره من كلام السلف أن التقسيم تقسيم الشرك إلى نوعين تقسيم شرعي أو حقيقة شرعية كما أن التوحيد تقسيمه حقيقة شرعية إلى ثلاثة أقسام.