إذًا الشرك نوعان: الأكبر، والأصغر. إذ يُقابل الأصغر الأكبر لأنه نصّ على الأصغر فدل على أنه يُقابله كما هو الشأن في لسان العرب، فلما قيَّده النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا دل على أن ما عداه محمول على ما يقابله، والذي يقابل الأصغر هو الأكبر إلا بقرينة واضحة بَيِّنَة تدل على أن المراد به الأصغر. قال في (( المفردات ) )الراغب: الصغر والكبر من الأسماء المتضادة. بمعنى أنهما متقابلان، كل منها ضد للآخر، فلا يوصف الشيء بكون أكبر أصغر من جهة واحدة لأنهما لا يجتمعان، الصغر والكبر من الأسماء المتضادة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض يعني يُقابل بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيرًا في جنب الشيء وكبيرًا في جنب آخر، بمعنى أنه قد يُوصف بكونه صغيرًا وبكونه كبيرًا في نفس الوقت لكن باعتبارين، باعتبار كذا هو أكبر، وباعتبار كذا هو أصغر، وأما من جهة واحدة فهو ممتنع لأنه من الأسماء المتضادة. وقد تقال تارة باعتبار الزمان، فيقال فلان صغير وفلان كبير، إذا كان ما له من السنين أقل مما للآخر، وتارة تقال باعتبار الجثة يعني فلان أكبر من فلان، وفلان أصغر من فلان باعتبار جثته جسمه، وتارة باعتبار القدر والمنزلة فهو أكبر يعني من جهة المعنى. وقوله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 53] قابل الصغير بالكبير وهذا من باب الْقَدْرِ والْمَنْزِلة. وقوله: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} ... [الكهف: 49] قابل الصغير بالكبيرة. وقوله: {وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ} [يونس: 61] قابل الأصغر بالأكبر فهما مستعملان في الشرع، وهذا لا مانع أن يستأنس به في أن الشرك منقسم إلى الأصغر، وقد نصّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الأكبر وأخذ من مقابلة الأصغر، كل ذلك بالقدر والمنزلة من الخير والشر باعتبار بعضها ببعض، ويقال: صَغِرَ صِغِرًا في ضد الكبير، صَغِرَ من باب فَعِلَ صِغِرًا في ضد الكبير، صَغُرَ من باب فَعُلَ صَغْرًا وصَغَارًا في الذِّلة، ثَمّ فرق بين صَغِرَ وصَغُرَ، صَغِرَ ضد الكبير، وأما صَغُرَ هذا مأخوذ في المعنى وهو الذّلة، والصَّاغِرُ الراضي بالمنزلة الدنية {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فدل هذا النص على أن الشرك محصور في نوعين شرك أكبر وشرك أصغر، ومأخوذ من هذا الحديث حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه.
فإن قلتَ: جاء وصف الشرك بالخفي كما وُصِفَ هنا بالأصغر، ولم يرد وصفه بالأكبر، لكن جاء وصفه بالخفي كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتذاكر المسيح الدجال. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال» . قال: قلنا: بلى. قال: «الشرك الخفيّ» . وهذا مركب توصيفي، وعرفنا أن الصفة لها مفهوم فكما أخذنا من قوله: ( «الأصغر» ) مفهومًا، كذلك نأخذ من قوله: «الخفيّ» . مفهومًا لأن قوله: ( «الشرك» ) . هذا قدر مشترك بين الأكبر والأصغر والخفيّ فهو جنس متحد، وأما الأصغر والأكبر والخفي فهذه أوصاف ولها اعتبار من حيث المفهوم. قال: «الشرك الخفيّ. أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل» . والحديث رواه أحمد وابن ماجة وحسّنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. حينئذ هل هذا الشرك الخفيّ الذي جاء في حديث أبي سعيد نوع آخر مستقل عن الأكبر والأصغر، أم أنه يدخل تحت أحد النوعين، أو فيهما معًا؟ هل هو شرك مستقل؟ فنقول: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي. أم أنه داخل في النوعين فنقول: الشرك الأكبر نوعان: شرك ظاهر وشرك خفي. والظاهر أخذناه من قوله: «الخفي» . لأنه صفة وله مفهوم. إذ ضد الخفاء الظهور، حينئذ لما وصف الشرك بكونه خفيًّا علمنا أن من الشرك ما هو ظاهر، حينئذ عندنا شرك أكبر ظاهر، وشرك أكبر خفيّ، وشرك أصغر ظاهر، وشرك أصغر خفيّ، حينئذ دخل في النوعين، أم أنه داخل تحت الشرك الأصغر؟ وقد قيل به بأن الشرك الأكبر كله ظاهر، والشرك الأصغر نوعان شرك أصغر ظاهر، وشرك أصغر خفيّ. وقد جعل [الشيخ ابن قاسم] الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى في (( القول السديد ) )الشرك الأكبر كله ظاهر، والشرك الأصغر كله خفيّ.