قوله: «الشرك في أمتي» . هذا لفظ عام فيشمل النوعين. قال: ... «أخفى» . حينئذ دلّ هذا اللفظ على أن الخفاء وصف للنوعين، ولذلك قال: «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا» . وقوله: ... «أخفى» . هذا وصف لِمَا صدق عليه اللفظ العام لأن الشرك هذا مفرد ودخلت عليه (أل) وحينئذ يُفيد العموم، وحينئذ يبقى على أصله فنقول: الشرك الأكبر منه ما هو خفيّ، والشرك الأصغر منه ما هو خفيّ، ويقابل النوعين الشرك الأكبر الظاهر، والشرك الأصغر الظاهر. فظاهر النصوص والله أعلم أن الشرك الخفيً ليس قسمًا مستقلًا وإنما هو وصف للنوعين فقد يكون الشرك الأكبر خفيًّا، كما يكون ظاهرًا. وقد يكون الشرك الأصغر خفيًّا كما يكون ظاهرًا، فهو وصف لكل ما خَفِيَ من أنواع الشرك، وهذا يؤيده معنى اللفظة الخفيّ، الشرك الخفي، حيث يقال: خَفِيَ الشيء خُفْيَة استتر. قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] والخفاء ما يُستر به كالغطاء، ويقابل به الإبداء والإعلان فهما متقابلان، خفيّ وعلني، خفاء وإعلان. قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} [البقرة: 271] هنا قابل الإبداء بالخفاء. فقال تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} ... [الممتحنة: 1] أليس كذلك؟ أخفيتم أعلنتم {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ} [الأنعام: 28] فدل على أن هذا اللفظ إنما يُستعمل في لسان العرب وكذلك في الشرع بما يقابل به الإبداء والإعلان. حينئذ نقول: الأصل فيه أنه خفيّ، ويقابله الظاهر. (فسئل عنه) . قوله: (فسئل عنه) أي عن الشرك الأصغر، (فقال: «الرياء» ) . فيه أن الرياء من الشرك الأصغر هذا فيه نص على أن الرياء داخل في مسمى الشرك الأصغر، والمشهور عند العلماء أنهم يقيدون ذلك بيسير الرياء. لأن قوله: ( «الرياء» ) . (أل) هنا تفيد العموم، فحينئذ يحمل على الرياء من كل وجه، والرياء الكثير، ويسير الرياء. والمشهور عند العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره أنهم يقيدون ذلك بيسير الرياء، وهو الذي يكون شركًا أصغر، وأما كثيره فهذا من الأكبر، وتفصيل الكلام فيما يتعلق بالرياء سيأتي في باب مستقل عنون له المصنف رحمه الله تعالى (باب ما جاء في الرياء) ولكن يُشار هنا إلى أن الشرك الأصغر ليس محصورًا في الرياء. فقوله: ( «الرياء» ) . ليس حصرًا للشرك الأصغر في هذا النوع، بل هو من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، وغير ذلك من المسائل التي سيعنون لها المصنف رحمه الله تعالى فيما يأتي.