قال في (( التيسير ) )بعد شرح هذا الحديث: هذا من رحمته - صلى الله عليه وسلم - لأمته وشفقته عليهم وتحذيره مما يخاف عليهم فإنه ما من خير إلا دلهم عليه وأمرهم وأمر به، وما من شر إلا وأخبرهم به وحذرهم عنه. ثم قال: ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة. إذا قيل بأن الشرك الأصغر مخوف على الصحابة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، فسئل عنه، فقال: «الرياء» ) فإذا دل النص على أن الأكبر من باب أولى أن يخافه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالفعل كذلك لم نص على الأدنى وترك الأعلى؟ يَرِدُ السؤال هنا. قال في (( التيسير ) )هناك: ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سَلَّم الله كان هذا أخوف ما يُخاف على الصالحين، لأن حب الرياسة وحب الثناء وحب المدح والعمل من أجل الدنيا كل ذلك من الشرك الأصغر، ومنه الرياء، حينئذ هذه النفوس وإن كانت صالحة وهي مجبولة على ذلك قد تقع في هذا الشيء ولو كانت من الصلاح بمكان، لأن الصحابة وغيرهم ليسوا معصومين البتة، كان هذا أخوف ما يُخاف على الصالحين لقوة الداعي، إلى ذلك لأن النفس إذا كانت مجبولة على شيء صار ثَمَّ منازعة في النفس فيحتاج إلى مجاهدة، ولذلك المجاهدات إنما تكون في طبائع النفوس، وأما ما لم تتطبعه النفس فهذا قد لا يحتاج إلى مجاهدة، ولذلك قد يصعُب ترك ذنب على شخص ويكون من أيسر الأمور على شخص آخر، لماذا؟ لكون ذلك الذي عَسُرَ عليه ترك الذنب تطبعت نفسه عليه وتعلقت به وأحبته .. إلى آخره، وذاك الذي كان من أيسر الأمور في تركه لم تتعلّق به النفس، فتعلق النفس بالشيء له دور كبير في الذنب والإقدام عليه. لقوة الداعي إلى ذلك والمعصوم من عصمه الله. [وهذا ما نعم] وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين وإما ضعيف، كونه يسجد لغير الله، كونه يذبح لغير الله، كونه يصرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله في نفوس الصالحين الموحدين هذا إما أن يكون معدومًا وإما أن يكون ضعيفًا، لماذا؟ لأن العقل والفطرة يدلان على قبح الشرك من حيث هو ولذلك تواطأت الأدلة من حيث الشرع ومن حيث العقل ومن حيث الفطرة على تحريم وقبح الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر فداعيه موجود في النفس بخلاف الشرك الأكبر، ولذلك قال هنا: وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، وإما ضعيف هذا مع العافية. إذا عُوفي من البلاء يكون ضعيفًا، وأما مع البلاء قد يُبتلى فـ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] يعني توفيق الله عز وجل هو الذي يكون معه، فلذلك - يعني ما سبق - صار خوفه - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه من الرياء أشد، لماذا؟ لقوة الداعي وكثرته دون الشرك الأكبر لما تقدم على أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه لا بد من وقوع عبادة الأوثان في أمته، فدل ذلك على أنه ينبغي للإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر إذا كان الأصغر مخوفًا على الصالحين من الصحابة مع كمال إيمانهم فينبغي للإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر لنقصان إيمانه ومعرفته بالله فهذا وجه إيراد المصنف له هنا مع أن الترجمة تشمل النوعين. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فبين في هذا الكلام النفيس فائدة مهمة وهي لماذا خصّ النبي - صلى الله عليه وسلم - الشرك الأصغر بكونه مخوفًا على الصحابة وعلى غيرهم مع كون الأكبر أعظم جرمًا وأشد قبحًا؟ لكون الداعي إلى الشرك الأصغر موجودًا في النفوس ولو كانوا صحابة لأنهم غير معصومين، بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر فإنه إما معدوم وإما ضعيف، وإذا كان ضعيفًا إنما يكون كذلك مع العافية، وأما مع البلاء فتثبيت الله تعالى له. وهذا كلامه منه رحمه الله تعالى يُزيل الإشكال الذي قد يَرِدُ لماذا يخاف ... النبي - صلى الله عليه وسلم - الشرك الأصغر على الصحابة مع قوة إيمانهم؟ أجاب رحمه الله تعالى لوجود الداعي إلى ذلك في النفوس. ولماذا خص الأصغر دون الأكبر؟ أجاب لعدم الداعي إلى ذلك أو ضعفه.