فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 2014

تقرر من ذلك الكلام أن قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ) . فيه تنبيه إلى أن الشرك الأكبر أشد خوفًا وإن ضعف الداعي أو عُدِمَ، يعني من حيث الخوف هو أشد ولا شك، لكن كونه لم ينص ... عليه - صلى الله عليه وسلم - في كلامه لِمَا ذكرناه سابقًا.

وذكر ابن قاسم في (( الحاشية ) )قوله: وإذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخافه على أصحابه الذين وحَّدُوا الله ورَغِبُوا إلى ما أُمِرُوا به وهَاجَرُوا وجاهدوا وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فكيف لا يخافه وما فوقه من لا يُدانِيهم ومن لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل. ولا يقال: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب الصحابة ولم يُرد به الحقيقة وإنما من باب الإشارة إلى غيرهم. لا، وإنما الخطاب محمول على حقيقته فخافه على الصحابة بأعيانهم، حينئذ غيرهم من باب أولى وأحرى.

مناسبة الحديث للباب ظاهرة فالآيتان السابقتان في الخوف من الشرك الأكبر وهذا الحديث نص في الخوف من الشرك الأصغر، فدل على أن المصنف أراد بالترجمة الشرك بنوعيه، وقد ذكرنا فيما سبق أن بعضهم خصّه بالشرك الأكبر وليس كذلك.

ما يؤخذ من الحديث:

أولًا: شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر وذلك من وجوه:

أولًا: لقوله - صلى الله عليه وسلم - ( «أخوف» ) أي أتى بأفعل التفضيل.

ثانيًا: توكيد الخبر بـ «إن» ، واسمية الجملة التأكيد يكون للزيادة والتقوية.

ثالثًا: أنه خاطب به الصحابة حقيقة وهم أكمل الأمة إيمانًا علمًا وعملًا فمن دونهم من باب أولى وأحرى.

ثانيًا: دل الحديث على شفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته وحرصه على هدايتهم والنصح لهم.

ثالثًا: أفاد الحديث أن الشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر، وأصغر. لقوله: ( «الشرك الأصغر» ) ووجه الاستدلال كما ذكرناه في السابق لأنه مركب هنا مركب توصيفي والشرك جنس قدر مشترك بين الأكبر والأصغر فلما قال: ( «الأصغر» ) دل على أن ثَمَّ ما يقابله بالمفهوم وهو الأكبر.

[ثالثًا] أن من الشرك الأصغر الرياء. وسيأتي الرياء مفصلًا في بابه.

الحديث الثاني من أحاديث الباب قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وهو يدعو [1] من دون الله ندًّا دخل النار» [رواه البخاري] ) . ورواه البخاري في الحديث صحيح لا نحتاج إلى تخريج. قوله: ( «من مات وهو يدعو [لله ندًّا] أو [يدعو من دون الله] ندًّا» ) . روايتان ( «من» ) هذه شرطية وهي من ألفاظ العموم، حينئذ تشمل ماذا؟ تعمّ ماذا؟ تعم الذكر والأنثى، تعم العالم وغير العالم، تعم العامد وغير العامد، يعني ليس الحكم خاصًّا بالجاهل، أو ليس الحكم خاصًّا بغير المتعمد، وإنما الحكم عام، كل من مات سواء مات وهو يعلم الحكم الشرعي أو لا يعلم الحكم الشرعي حينئذ مآله ما رتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ذُكِرَ. إذًا ( «من» ) شرطية وهي من ألفاظ العموم، تعمّ الذكر والأنثى والعالم وغيره والعامد وغيره، و ( «مات» ) فعل الشرط وجوابه ( «دخل النار» ) .

( «مات» ) الموت مفارقة الروح للبدن فهو شيء وجوديّ وليس بشيء عدميّ كما يدعيه البعض ويذكرون أمثلة لذلك في البلاغة وغيرها.

(1) وفي رواية: [لله ندًّا] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت