فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 2014

قوله: ( «وهو» ) يدعو الواو واو الحال، فالجملة حينئذ تكون حاليّة ( «من مات وهو يدعو» ) هذه الواو تُسمى واو الحال وإذا كانت كذلك فحينئذ تكون الجملة التي بعدها تكون حاليّة، ومعلوم أن الحال وصف لصاحبها قيّد لعاملها، وصاحبها مَنْ؟ ( «مات» ) هو صاحب الحال؟ ... [نعم] مَنْ؟ فاعل مات [أحسنت] فاعل مات الضمير المستتر العائد على ( «من» ) ، ( «من مات» ) هو حينئذ مات هو، هو، هذا صاحب الحال وهو الفاعل. إذًا صاحبها فاعل مات المستتر العائد على ( «من» ) ، والحال وصف لصاحبها قيد لعاملها. قوله: ( «يدعو من دون الله ندًّا» ) أو ... «يدعو لله ندًّا» النِّدّ سبق بيانه في أول الباب، وقول ابن القيم رحمه الله تعالى أشهر ما ذكر حيث قال: النّد الشبه. ويقال: فلان ند فلان ونديده أي مثله وشبهه كما قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] . وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] وهذه الآية تحفظها وتجعلها دليلًا على أن الكفر والشرك مترادفان لأنه قال: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا} هذا حقيقة الشرك. {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ} ولم يقل بشركك، فدلّ على أن الشرك والكفر مترادفان. وقوله: ( «يدعو» ) هل المراد به دعاء العبادة؟ أي يعبدوا غير الله، أو دعاء المسألة أن يسألوا غير الله؟ الجواب: أنه شامل للنوعين، فالمراد أنه يتخذ لله ندًّا سواء دعاه دعاء عبادة بأن صرف إليه نوعًا من أنواع العبادة، أم دعاء المسألة بأن سأله واستغاث به ونحو ذلك، لأن الدعاء قسمان - وقد مر، لعله مر معنا أن الدعاء قسمان - لأن الدعاء قسمان: دعاء عبادة كالصلاة هذا يتعلق بالأفعال، كالصلاة فإذا صلّى فقد دعا بلسان حاله، هو متعبد بالفعل لكنه داعٍ لأن الدعاء هو السؤال فكيف يتحقق السؤال هنا وقد قام وركع وسجد وسلم ونحو ذلك نقول: بفعله هذا بلسان حاله يدعو الله تعالى. يعني يسأل الله تعالى أن يغفر له وأن يتقبله وأن يرزقه الثواب على هذه الصلاة ونحو ذلك، فحينئذ هو داع سائل لكن بلسان الحال لا بلسان المقال، وقد يكون في الصلاة بالنوعين، فإذا صلَّى فقد دعا بلسان حاله أن يغفر له ربه وأن يُعطيه من ثوابه ونواله، ودل على هذا القسم قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] فسمى الدعاء عبادة فجعل الدعاء عبادة، وهذا القسم كله شرك بمعنى أنه من صرف نوعًا من هذا القسم فهو مشرك شركًا أكبر مخرج من الملة، يعني ليس فيه تفصيل. وهذا القسم من صرف شيئًا منه لغير الله تعالى فقد أشرك الشرك الأكبر فكله شرك بلا تفصيل.

القسم الثاني: دعاء المسألة. كقولك: يا رب اغفر لي وارحمني وارزقني الجنة ونحو ذلك وهذا ليس كله يُعتبر شركًا أكبر، بل فيه وفيه، فلا بد من التفصيل إذ ليس كله شركًا فإن كان السؤال لحي حاضر قادر كقولك لزيد اسقني ماءً فليس بشرك. هذا سؤال لغير الله عز وجل: اسقني ماءً، أعطني مالًا ونحو ذلك، أعطني سيارة. نقول: هذا ليس بشرك. لماذا لكونه سؤالًا لحيّ حاضر فيما يقدر عليه. فلا يُعتبر شركًا البتة، وإن كان فيما لا يقدر عليه إلا الله لحاضر أو غائب حيّ أو ميت مطلقًا فهو شرك أكبر. فقوله حينئذ: ( «من مات وهو يدعو» ) ما المراد هنا؟ نقول المراد بالدعاء ما كان شركًا أكبر ولم يدخل معنا ما هو دون ذلك. حينئذ يختص الحديث بالشرك الأكبر من دعا غير الله تعالى دعاء عبادة فهو مشرك شركًا أكبر، [من دعا الله] [1] من دعا غير الله تعالى دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك أكبر فهو داخل معنا، وما عدا ذلك فليس بداخل. فقوله: «يدعو لله ندًّا» إن كان دعاء عبادة فهو شرك أكبر بلا تفصيل، وإن كان دعاء مسألة ففيه تفصيل، ولكن المراد هنا هو الشرك الأكبر فلا يُفصل فيه. قال بالدعاء يحتمل كذا وكذا ودخل النار يحتمل دخولًا أوليًّا ودخولًا ثانويًّا، نقول: لا. هذا الحديث محمول على الشرك الأكبر فحسب.

وفي (( التيسير ) ): أن يجعلوا لله ندًّا فيما يختص به تعالى ويستحقه من الربوبية والإلهية، وهذا يدل على ما ذكرناه أن الحديث نص في الشرك الأكبر ولا يحتمل غيره.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت