وفي (( الفتح ) ): أن يجعلوا لله ندًّا في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به، ويستغيث به هذا في دعاء المسألة، فحينئذ حمله على الشرك الأكبر فحسب، وكما سبق تقريره أن اتخاذ الند يكون على قسمين: أن يجعله لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها، فلا يشترط أن يصرفوا كل العبادة بل المراد بعض العبادة
وصرف بعضها لغير الله ... شرك وذاك أقبح المناهي
أن يجعله لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها، وهو الشرك الأكبر وهو المراد بالحديث هنا، حينئذ لا تفصيل.
النوع الثاني من اتخاذ النّدّ ما كان من نوع الشرك الأصغر كما ذكرناه سابقًا في أحسن تعريف للشرك الأصغر بأنه اتخاذ النّدّ لكن هذا الاتخاذ لم يصل إلى حد صرف العبادة لغير الله تعالى. ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء، فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الشرك الأصغر تنديدًا كما جاء في الحديث الذي قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله ندًّا» . ولا شك أن قوله: ما شاء الله وشئت. ليس بشرك أكبر ليس بتنديد كامل من كل وجه وإنما هو شرك أصغر ومع ذلك قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله ندًّا» . فدل ذلك على أن الشرك الأصغر فيه تنديد كما أن الشرك الأكبر فيه تنديد، لكن ثَمَّ فرق بين التنديد والتنديد، التنديد الذي في الشرك الأصغر لا يصل إلى حد العبودية: «أجعلتني لله ندًّا، بل ما شاء الله وحده» . رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في (( الأدب المفرد ) )والنسائي وابن ماجه.
قوله: ( «دخل النار» ) . هذا جواب الشرط، وسبق معنا الدخول نحو في (باب فضل التوحيد) أي خالدًا ( «دخل النار» ) خالدًا مخلدًا في النار، لماذا؟ لكون الحكم هنا مرتبًا على الشرك الأكبر ( «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا» ) يعني سوى الله تعالى ( «ندًّا» ) هذا نكرة في سياق الشرط حينئذ يعم كل نِدٍّ سواء كان ملكًا نبيًّا حيًّا ميتًا .. إلى آخره، شجرة حجرة، نقول: هذا كله داخل في الندّ. فدل ذلك على أن قوله: ( «دخل النار» ) . المراد به التأبيد إذ شأن ذلك الذنب الذي هو الشرك الأكبر أن يرتب عليه الخلود في النار، لكن قوله: ( «دخل النار» ) . ( «دخل» ) هذا فعل ولا شك أن الفعل من باب الإطلاق، حينئذ يحتمل أنه دخولًا أوليًّا ويحتمل أنه دخول ثانويًّا، حينئذ ما الذي عَيَّن ورجح؟ الذي عين المرتب عليه فعل الشرط.
ثانيًا: من خارج. وهو قوله جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] فدل على أنه غير مغفور له، كذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72] ومن حرم الله عليه الجنة حينئذ كانت النار له مستقرًا مؤبدًا فيها أبد الآباد.
إذًا ( «دخل النار» ) نقول: هذا جواب الشرط أي خالدًا مع أن دخل فعل وهو مطلق، لكن لَمَّا رتبه على فعلٍ، فعل الشرط هو شرك أكبر قيد النص به، كذلك قُيِّد النص من خارج بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ، وبقوله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} وهذه العقوبة ( «دخل النار» ) على جهة التأبيد لأنه مشرك بالله شركًا أكبر، وهذا كما سبق في ما سبق أن الحديث مقيّد بمن مات ولم يتب، وأما من تاب فهذا توبته بشرطها مقبولة إن شاء الله تعالى، فإن تاب تاب الله تعالى عليه.
مناسبة الحديث للباب: فيه تخويف من الشرك ببيان عاقبة المشرك ومصيره إذا مات على ما هو عليه دون توبة.
أفاد الحديث:
أولًا: التخويف من الشرك والتحذير منه.
ثانيًا: بيان حقيقة الشرك الأكبر «من مات وهو يدعو لله ندًّا» ، ( «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا» ) هذا تعريف بيان لحقيقة الشرك فلا نحتاج إلى أن يأتي صوفي يبين لنا ما هو الشرك، فيقيّده بالشرك في الربوبية نقول: هذا باطل. لماذا؟ لأن حمل الشرك وجعله مطابقة على الشرك في الربوبية ليس هو الذي عناه الشارح، وإنما عنى صرف العبادة لغير الله تعالى ( «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا» ) الدعاء عبادة ودعاء مسألة على التفصيل السابق.