إذًا فيه بيان حقيقة الشرك الأكبر وهو دعوة غير الله مع الله تعالى، فكل من دعا مع الله نبيًّا أو وليًّا، حيًّا أو ميتًا، أو حجرًا أو شجرًا، فقد جعل ندًّا لله، وهذا لقوله: ( «ندًّا» ) إذ هو نكرة في سياق الشرط فحينئذ تعم كما هو معلوم في محله. وأدنى ما يسمى دعاءً فهو داخل في الشرك، أقل جزء يسمى دعاءً صح وصفه بأنه عبادة دخل في ذلك، من أين أخذناه ( «يدعو» ) لأنه فعل وهو مطلق فيصدق على أقل ما يُسمى دعاءً، فالشرك ليس فيه قليل ولا كثير، لا يغفره الله تعالى البتة لمن مات عليه، لا قليلًا ولا كثيرًا للنص الذي ذكرناه، وأدنى ما يسمى دعاءً فهو داخل في الشرك لقوله: ( «وهو يدعو» ) فأقل ما يُطلق عليه أنه دعاء حينئذ ترتب الحكم عليه.
ثالثًا: الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه لقوله: ( «دخل النار» ) .
الحديث الثالث قال المصنف: (ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» ) هذا تأكيد لِمَا دلت عليه الآيات والأحاديث السابقة.
جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاري ثم السَّلَميّ صحابي جليل مكثر، ابن صحابي، صحابي ابن صحابي، له ولأبيه مناقب مشهورة رضي الله تعالى عنهما، مات بالمدينة بعد السبعين، قيل: أربع وسبعون. وقد كُفَّ بصره، وله أربع وتسعون سنة.
قوله: ( «من لقي الله» ) . ( «من» ) هذه شرطية حينئذ تكون من صيغ العموم وتعم هنا الذكر والأنثى، وهذا لا فرق أمر معلوم، وتعم العالم وغيره، وتعم [ها] ... وغيره ( «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» ) تعم الذكر والأنثى، ولا يمكن أن يكون هنا إلا عالِمًا وإنما يقال ذلك في الجزء الثاني، وفيما سبق في الحديث السابق فالقياس لا يكون من كل وجه، يعني ليس كل نص يقال فيه العموم في العالم وغيره، وإنما هنا قوله: ( «لا يشرك به شيئًا» ) لماذا؟ لكونه أتى بالتوحيد ومقتضى التوحيد، ولا يمكن أن يأتي بالتوحيد ومقتضاه إلا إذا كان عالِمًا، وأما الجاهل فكاسمه جاهل لا يمكن أن يأتي بالتوحيد. إذًا ( «من» ) شرطية فتفيد العموم، و ( «لقي» ) فعل الشرط، وجوابه ( «دخل الجنة» ) . وكذلك بالجملة الأخرى.
قوله: ( «لقي الله» ) اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته معًا، وقد يُعبَّر به عن كل واحد منهما، يعني المقابلة والمصادفة، يقال: لَقِيَهُ يَلْقَاهُ لِقَاءً ولُقِيًّا ولُقْيَةً، ويقال ذلك في الإدراك بالحس وبالبصر وبالبصيرة. يعني اللقاء لا يُعبر به عن شيء إلا إذا كان مُدركًا بالحس بإحدى الحواس، أو بالبصر وهي من إحدى الحواس، أو بالبصيرة يعني بالقلب، وهنا المراد به الأول ( «لقي الله» ) بمعنى أنه رأى الله تعالى، ولذلك استدل أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤية بكل حديث فيه إثبات اللُّقِي لأنه يستلزم ماذا؟ يستلزم الرؤية بالبصر، والمراد هنا الأول وفيه إثبات الرؤية.
قوله: ( «لا يشرك به شيئًا» ) . الجملة في محل نصب حال، وتفصيل الجملة من حيث دخول النفي على الفعل إفادة العموم، و ( «شيئًا» ) نكرة في سياق النفي سبق تقريره.
وقوله: ( «دخل الجنة» ) دخولًا أوليًّا أو ثانويًّا؟ كما مر في حديث عبادة بن الصامت لأن قوله: ( «من لقي الله لا يشرك به شيئًا» ) انتفى الشرك فهو موحد، ثم الموحد على نوعين:
-قد يموت ولم يكن ثَمّ ذنب لم يتب منه حينئذ يكون دخوله أوليًّا، بمعنى أنه يدخل الجنة مباشرة.
-وقد يكون موحدًا ولطخ نفسه بالمعاصي ويموت على ذلك دون توبة ثم هو تحت المشيئة إن شاء الله آخذه بأن عذبه إما في القبر وإما في النزع وشد عليه بذلك حتى يُكفر عنه، وإما أن يدخله النار، ثم بعد ذلك بإجماع أهل السنة والجماعة أنه يخرج إلى الجنة، وإما أن يعفو عنه لا يؤاخذه فحينئذ يدخل دخولًا أوليًّا هذا التفصيل يقال في هذا النوع.