فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 2014

لا يدخل الجنة، هذا إن سلمنا بأنه يمكن ألا يشرك ولا يُوحد، بمعنى أنه ترك التوحيد وترك الشرك. إن سُلِّمَ، إِنْ سُلِّمَ أنه موجود حينئذ نقول: لا يدخل في النص. اقتصر على نفي الشرك وإلا لا يتصور اجتماع الشرك في شخص واحد مع التوحيد، ونفي الشرك أو ترك الشرك وترك التوحيد معًا في شخص واحد، إما هذا وإما ذاك، فهما نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، إما موحد وهذا لا يُوصف بكونه موحدا إلا إذا تخلص من الشرك الأكبر بحذافيره، فإن لم يكن كذلك فحينئذ فهو مشرك شركًا أكبر. قال غيره: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء. بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي بترك الشرك إلا إذا أتى بالتوحيد، فحينئذ دلالة الاقتضاء هنا معتبرة، دل هذا النفي ( «من لقي الله لا يشرك به شيئًا» ) أنه جاء بالتوحيد فدل على ذلك بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم لأنه لا يمكن أن يكون موحدًا وهو غير مؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله متلازمتان، من آمن بالأولى لزمه الإيمان بالثانية والعكس بالعكس، وأما أن يؤمن بالأولى ولا يؤمن بالثانية هذا لا وجود له، في الشرع لا وجود له، حينئذ نقول: من كذب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل رسالته فهو غير موحد، حينئذ دل ذلك على استلزام بطلان الشهادة الأولى. واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم إذ من كذَّب رسل الله فقد كذّب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته. من توضأ صحت صلاته. ولو صلى هكذا؟ مع شروطها. إذًا يُذكر الحكم معلقًا على شيء ولا يلزم منه النفي لجميع الشروط والأركان الباقية، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته. أي مع سائر الشروط، فالمراد: من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالًا في الإجمال وتفصيلًا في التفصيل.

مناسبة الحديث للباب فيه التغليظ في النهي عن الشرك مما يُوجب شدة الخوف منه.

[ودل الحديث] أما الجملة الثانية فهي واضحة كما سبق ( «ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» ) ، ( «يشرك به شيئًا» ) إن كان المراد به الشرك الأكبر فالدخول على التأبيد، وإن كان الشرك الأصغر فهو تحت المشيئة.

دل الحديث على أمور:

أولًا: وجوب الخوف من الشرك. لأن النجاة من النار مشروطة بالسلامة منه، لأنه قال: ( «لقي الله لا يشرك به شيئًا» ) . لا بد أن يسلم من الشرك من أجل أن يسلم من النار ( «دخل الجنة» ) ، ( «ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» ) .

ثانيًا: ليست العبرة بكثرة العمل وإنما العبرة بالسلامة من الشرك.

ثالثًا: بيان معنى كلمة التوحيد وأنه ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة، فمن لم يترك الشرك فليس بموحد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصّ على الشرك هنا ( «لقي الله لا يشرك به شيئًا» ) . وقال: ( «لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» ) . إذًا ولو كان من أعلم الناس، ولو كان من أعبد الناس ووقع في الشرك الأكبر عبادته لا تنفعه البتة.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك) . وهذا واضح بيِّن لأنه هو عين الترجمة، وهذا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] وهذا فيه خوف من الشرك ولقوله عن إبراهيم عليه السلام ( {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} ... [إبراهيم: 35] ) ولقوله - صلى الله عليه وسلم: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» . فسئل عنه فقال الرياء») . كلها دلت على هذه النصوص والأحاديث التالية دلت على وجوب الخوف من الشرك، فبيَّن الرب أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وهذا يُوجب الخوف والذعر والحذر منه، بل الباب كله يدل على هذه المسألة وهي الخوف من الشرك. وقوله: (الخوف من الشرك) أي بنوعيه الأكبر والأصغر، ولذا نوّع المصنف بالأدلة للدلالة على أن الواجب هو الخوف منهما معًا.

المسألة (الثانية: أن الرياء من الشرك) . لقوله (فسئل عنه، فقال: «الرياء» ) . [الثالثة] ولكن المصنف هنا رحمه الله تعالى وافق النص لأنه قال أن الرياء من الشرك. يعني من جنس الشرك بقطع النظر عن كونه أصغر أو أكبر.

ثم قال في (الثالثة: أنه من الشرك الأصغر) . والمراد به يسير الرياء. قد يأتي باب خاص بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت