فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 2014

إذًا الثانية أن الرياء من الشرك لقوله: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» . فسئل عنه، فقال: «الرياء» ) . والمصنف هنا تقيّد بلفظ الحديث فقال الرياء من الشرك، أي بعض منه فمن تبعيضية وإن كان المراد منه يسيره كما سيأتي مفصلًا في محله.

(الثالثة) المسألة (الثالثة: أنه من الشرك الأصغر) . للحديث.

المسألة (الرابعة: أنه أخوف ما يُخاف منه على الصالحين) . للداعي الذي ذكرناه سابقًا، أن النفس مجبولة على التصنع وعلى حب الثناء والمدح، فإذا فعل العبادة من أجل ذلك حينئذ وقع في الرياء وغيره، والله المستعان. (أنه أخوف ما يُخاف منه) يعني من الأصغر (على الصالحين) لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - خافه على الصحابة مع فضلهم فكيف بغيرهم.

(الخامسة: قرب الجنة والنار) . هذا لحديث جابر حيث أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن من مات غير مشرك دخل الجنة. إذًا بينه وبين الجنة الموت، والموت يكون بلحظة، أليس كذلك؟ إذًا ما أقرب الجنة من المؤمن المطيع، ومن مات مشركًا دخل النار ليس بينه وبين النار إلا الموت وهي لحظة، فلم يجعل بينه وبين الجنة أو النار شيئًا إلا الموت على ذلك.

(السادسة) المسألة (السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد) . على عمل واحد متقاربٍ في الصورة كما في الحديث حديث جابر.

(السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس) . من أين ولو من أعبد الناس؟ ( «من» ) [نعم] ( «من» ) لأنها تفيد العموم، حينئذ لا يغتر مغتر بكون فلان عالِمًا وبكون فلان محدثًا أو مفسِّرًا أو له تفسير أو له شرح في كذا هذه كلها لا ينبغي الوقوف عليها لأنها معارضة لهذا النص.

إذًا ولو كان من أعبد الناس لقوله: ( «من لقيه» ) فـ ( «من» ) تفيد العموم لكن إن كان شركه أكبر لم يدخل الجنة وإن كان من أعبد الناس قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} ، وإن كان أصغر عُذِّبَ بقدر ذنوبه أو ذنبه ثم دخل الجنة.

(الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام) . لقوله تعالى: ( {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} ) ووصفها بالعظيمة هنا تعظيمًا لشأنها لأن إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام الذي أثنى الله عليه بما أثنى عليه قد خاف على نفسه وعلى بنيه الذين منهم الأنبياء عبادة الأصنام، وهذا حقيقة يُوجب الخوف والذعر، فكيف بغيره كما قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم.

(التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [سورة إبراهيم: 36] ) . بمعنى أنه خاف على نفسه لَمَّا وجد أن الأكثر والكثيرين قد وقعوا في هذا الذنب العظيم، فخاف على نفسه، إذ ليس الحق منوطًا بالكثرة، الحق ما وافق الكتاب والسنة وإن كانت الكثرة على خلافه، ولو كان الحق منوطًا بالكثرة لَمَا كان إبراهيم عليه السلام خائفًا على نفسه لأنه رأى أكثر الناس على ضلال، وكذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أكثر الناس في عصره كانوا على ضلالة، حينئذ الكثرة ليست ممدوحة بل هي مذمومة مطلقًا. لكن المصنف هنا عبَّر بالأكثر مع كون الآية ( {أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} ) وفرق بين الكثير والأكثر، حينئذ نحتاج إلى مرجّح وهو أن نقول: أنه راعى شيئًا آخر وهو أن الكثرة مذمومة في الشرع {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] ، أليس كذلك؟ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] ، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] دل ذلك على أن أكثر هو المراد، فتعليل أو تعليق الحكم بكثير هنا لا يمنع أن يكون المراد به الأكثر، فحينئذ لا تعارض بين المصنف، فلما عبر مع وجود النص راعى النصوص الأخرى فعَبَّرَ بالأكثر. فقوله جل وعلا: ... {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} واضح بيّن.

إذًا المصنف عَبَّر بحال الأكثر، وفي الآية كثيرًا، وفرق بين كثير وأكثر، وفيه أن سبب خوفه من ذلك أن الأكثر قد ضل بعبادة الأصنام فلم يتخلص منها إلا القليل من الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت