فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 2014

تقرر من هذا ومما سبق أن الدعوة قد تكون فرض عين إذا كان العمل والعمل فرضي عين، إذا كان العلم فرض عين وكان العمل فرض عين، حينئذٍ الدعوة إلى هذا النوع من العلم يُعتبر فرض عين، والتوحيد لا شك أنه فرض عين على كل أحد فصارت الدعوة فرض عين، تقرر من ذلك أن المصنف نَبَّه بهذه الترجمة على وجوب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الرجل إذا عَلِمَ وجب عليه العمل فإذا عَلِمَ وعَمَلَ وَجَبَتْ عليه الدعوة إلى الله، يعني: كَمَّلَ نفسه حينئذٍ وجب أن يكمل غيره، فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى طريقهم وطريق أتباعهم. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى لَمَّا تلا {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33] ، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا} ، أي: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، فأجل قول هو من المخلوقين هو الدعوة إلى الله تعالى، قال الحسن: هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، {وَعَمِلَ صَالِحًا} في إجابته {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} هذا خليفة الله. فالداعي إلى الله له شأن عظيم في الإسلام، والأنبياء والرسل هم أعلى طبقات الدعاة إلى الله عز وجل، فمن دعا إلى الله عز وجل يكون متأسيًا ومقتديًا بالأنبياء، الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم ومن العلم ما يجب العمل به ووجبت الدعوة إليه، والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به وبما جاءت به رسله، وذلك يتضمن الدعوة إلى أركان الإسلام، وأصول الإيمان والإحسان، بل الأمر بما أمر به والنهي عمَّا نهى عنه، ولا تتم إلا بذلك. مراده رحمه الله تعالى أن مفهوم الدعوة عام يعني: يُعَلَّمُ الناس التوحيد، وَيُعَلَّمُ الناس الصلاة وما يتعلق بها، وكذلك الزكاة وما يتعلق بها، والصيام، والحج، وسائر المأمورات التي هي دون التوحيد، ودون الصلاة وأركان الإسلام، وكذلك المنهيات وما هو دون الشرك، ولا يقتصر على الدعوة إلى التوحيد فحسب ويترك الدعوة إلى تعليم الصلاة ونحوها، ليس هذا المراد وإنما المراد أن الداعية يدعو إلى شرع الله تعالى، فكل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي يشرع للداعية أن يدعو إلى ذلك الشرع، ولكن الشرع لا شك أنه مراتب منه ما هو واجب، ثم هذه الواجبات متفاوتة، ومنه ما هو منهي عنه، ثم هذه المنهيات متفاوتة، حينئذٍ أعظم الأوامر تعلقت به الدرجة الأولى من الدعوة، وأعظم وأشد وأقبح المناهي تعلقت به الدعوة من حيث الترك، ولذلك قال رحمه الله: وأول ما يُبدأ به الدعوة إلى التوحيد. أو وأول ما يَبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة. فهذا الترتيب هل هو مقصود شرعًا أم أنه ترتيب اجتهادي؟ بمعنى أن الذي يدعو أولًا إلى التوحيد ثم يدعو إلى سائر المأمورات ويدعو إلى مجانبة وترك الشرك، ثم بعد ذلك يدعو إلى ترك سائر المنهيات، هل هذا شيء توقيفي أم أنه اجتهادي؟ على ما تقرر من كلام أهل العلم مما سيأتي في الآية والأحاديث الواردة - وهذا محل وفاق - أنه ترتيب توقيفي، بمعنى أنه لا يأتي مجتهد ويعكس الأمر، ويقول: الأمر اجتهادي ولي اجتهادي. نقول: هذا مخالف للمنهاج الصحيح الذي هو المنهاج النبوي كما جاء في الآية الآتي ذكرها، ولذلك قال: وأول ما يَبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة. كما أن شأن المرسلين وأتباعهم كالمصنف رحمه الله وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت