وقال ابن السعدي رحمه الله تعالى في (( القول السديد ) ): وهذا الترتيب. ترتيب المصنف والتبويب هذا أعجب كل الشُّراح لأن له مغزى وله لصوق بالدعوة الصحيحة الدعوة إلى التوحيد، إِذْ يجهل البعض أنه إذا كمل نفسه بالتوحيد أنه يمكن أن يترك الدعوة إلى التوحيد، وأنه قد كَمُلَ توحيده، وليس الأمر كذلك، بل من لم يدعُ إلى التوحيد توحيده ناقص، من لم يدعُ إلى التوحيد فإيمانه ناقص وكلٌّ بحسبه. قال رحمه الله: وهذا الترتيب الذي صنعه المؤلف في هذه الأبواب في غاية المناسبة. إلى أن قال رحمه الله: فإنه لا يتم التوحيد حتى يُكْمِل العبد جميع مراتبه. لا يكمل التوحيد في العبد في نفسه حتى يكمل جميع مراتبه، ولا شك أن مراتب التوحيد ثلاثة:
أصل التوحيد الذي به يتميز عن المشرك بمعنى أنه لو تركه لترك الدين وانتقل إلى ملة المشركين.
الثاني: الكمال الواجب الذي يعتبر نقصًا ويترتب عليه القدح في التوحيد من حيث الإثم ولكن لا يترتب عليه الخروج من الدين.
الثالث: الكمال المستحب، فإذا كمل نفسه بالمرتبتين الأولى والثانية تعلق به الحكم وأما المرتبة الثالثة وهي مرتبة الكمال المستحب فهي التي عنون لها المصنف فيما سبق (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) أي ولا عذاب. قال رحمه الله: فإنه لا يتم التوحيد حتى يُكمل العبد جميع مراتبه ثم يسعى في تكميل غيره، وهذا هو طريق جميع الأنبياء. أوحى الله عز وجل إليهم العلم بالتوحيد وكانوا موحدين بل هم غاية وأكمل الموحدين، ثم بعد ذلك اتجهوا إلى أقوامهم وأممهم فدعوا الناس إلى التوحيد ولم يقدموا عليه شيئًا البتة، فدعوتهم مبتدئة بالتوحيد ومختتمة بالتوحيد. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (( القول المفيد ) ): هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك، لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد. لا يتم الإيمان بمعنى أنه الإيمان الواجب وليس المراد الإيمان المستحب لأن من ترك واجبًا عاد ذلك الترك إلى الإيمان الواجب فنقص، فحينئذٍ يترتب عليه الإثم لأنه ترك واجبًا من واجبات الإيمان، ولذلك كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى لا يُنفى الإيمان في الشرع سواء كان في الكتاب والسنة إلا إذا ترك واجبًا، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» . فمحبة الخير للمسلمين أفرادًا ومجتمعات هذا من الواجبات، فإذا تركه يكون نقصًا وقدحًا في توحيده، إذًا لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا للتوحيد قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . وهذه هي المسائل الأربعة التي عنون لها المصنف رحمه الله تعالى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته المفردة في تلك المسائل الأربع، وذكر دليل الوجوب سورة العصر لأنه مقابل للخسران، {وَالْعَصْرِ} هذا قسم من الرب جل وعلا {إِنَّ الْإِنْسَانَ} كل إنسان {لَفِي خُسْرٍ} لفي هلاك ونقص وعذاب في الدنيا والآخرة ولم يستثنِ إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع، وهذه الصفات الأربع واجبة، لماذا؟ لأن ترك الخسران وعدم مجانبته واجب، ولا يتم ترك المحرم الذي هو الوقوع في الخسارة في الدنيا والآخرة إلا بفعل هذه الأمور الأربعة.
فما به تركُ المحرَّم يَرى ... وجوبَ تركه جميعُ من درى
حينئذٍ نقول: هذا يعتبر من الواجبات.