فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 2014

ثم قال رحمه الله تعالى: فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه وإلا كان ناقصًا. ثم قال: والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد ولا يتم التوحيد إلا به. إذًا كل من شرح هذا الباب أو هذا الكتاب استحسن صنيع المصنف رحمه الله تعالى ورأى أن ترتيبه للأبواب الست الأولى في غاية المناسبة، إذ بعضها مبني على بعض، إذًا لا بد من الدعوة إلى التوحيد، إذ هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، إذ الشهادة كما سيأتي في الباب التالي تستلزم الإخبار، لا بد من إذا قيل: أشهد. بمعنى أعتقد بقلبي وأنطق بلساني مخبرًا غيري، فلا تحقق الشهادة إلا بهذه الأركان الثلاثة أو يزيد عليها شيء مما يأتي تفصيله في محله، لا بد من الاعتقاد وإلا لو أخبر بشيء لا يعتقده لا يكون شاهدًا، ولا بد من النطق ولا بد من الإخبار، وهنا الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله. وأعتقد بقلبه ونطق بلسانه ولم يخبر غيره صار قدحًا ونقصًا في دعوى الشهادة، إذ الشهادة تستلزم الإخبار إخبار الغير بما دلت عليه، كما سيأتي بمعناها في الباب التالي وإلا لا تكون شهادة، يعني: بالمعنى الكامل الواجب، ثم ذكر بعض الشراح لطيفة في التبويب وهي أن ما بعد هذا الباب هو تفسير للتوحيد، ما سيأتي في الباب السادس باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ثم ذكر في المسائل وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، فالأساس الذي ينطلق منه كتاب التوحيد هو الأبواب الخمسة الأولى هي التأصيل وهي التقعيد، ثم بعد ذلك كما قال المصنف: وشرح هذه الترجمة ما يأتي بعدها من الأبواب. حينئذٍ ذكر المصنف هنا هذا الباب، [ثم بعد ذلك ذكر نعم] ثم ذكر بعض الشراح لطيفة وهي أن ما بعد هذا الباب هو تفسير للتوحيد وبيان أفراده، وتفسير للشرك وبيان أفراده، حينئذٍ تكون الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى التوحيد دعوة إلى تفاصيل ذلك، بمعنى أن مراد المصنف في تقديمه لهذا الباب على الباب التالي وما يأتي من الأبواب الشارحة لأصول التوحيد مسألة مَسألة الأبواب الشارحة لمعنى الشرك، وأفراده مسألة مَسألة مراد المصنف الدعوة إلى التوحيد تفصيلًا لا إجمالًا، إذ قد يدعو الداعي إلى التوحيد ويقول: وحِّدُوا الله. ونحن نوحد الله ونتبرأ من الشرك، لكن لا يدخل في التفاصيل، لأنه لو دخل في التفاصيل لوقع في مواجهة مع الخلق، وهؤلاء قد لا يقبلون منه تلك التفاصيل، فالكلّ يدَّعِي أنه موحد والكلّ يدِّعِي أنه على ملة الإسلام وأنه على طريقة خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن ثَمَّ أفراد من أنواع التوحيد لا يُسِلِّمُ بها، وثَمَّ أفراد من أنواع الشرك لا يُسَلِّمُ بها، وحينئذٍ يقع النزاع مع الخلق، فمراد المصنف هنا رحمه الله تعالى الدعوة إلى التوحيد إجمالًا، وقد بين لك بهذا الباب الخامس وجوب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ذكر في الباب الذي يليه ما المراد بالتوحيد لأن له حقيقة شرعية، ثم أردفه بعشرات الأبواب كلها تفصيلًا للتوحيد لأفراد التوحيد وتفصيلًا للشرك لأفراد الشرك، فحينئذٍ الدعوة التي أرادها المصنف ليست دعوة إجمالية، فإنما المراد بها الدعوة إلى التوحيد على جهة التفصيل والنهي عن الشرك وهو مضاد أو نقيض التوحيد على جهة التفصيل، فتكون حينئذٍ الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى التوحيد دعوة إلى تفاصيل ذلك، لأن هناك من يسلم بالدعوة إلى التوحيد إجمالًا ولكن إذا أتى التفصيل في بيان مسائل التوحيد أو جاء التفصيل في بيان أفراد الشرك فإنهم يخالفون في ذلك، وتغليبهم نفوسهم في مواجهة الناس في حقائق أفراد التوحيد وأفراد الشرك، وخلاصة الأمر أن الدعوة إلى التوحيد دعوة تفصيلية وليست إجمالية، وأما الإجمال فيهتم به الكثير فيقولون: ندعو إلى التوحيد ونتبرأ من الشرك، لكن لا يذكرون تفاصيل ذلك خوفًا من مواجهة الناس والوقوع في المعارك معهم، ولذلك قد تواجه صوفيًّا وتبين له التوحيد وتحذره من الشرك فيقول: نعم نحن موحدون ونحذر من الشرك. لكن إذا دخلت معه في مسائل الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ تقع في مواجهة ونحو ذلك، إذًا تبويب المصنف هنا في غاية الحسن رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت