فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 2014

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثَّقلين الإنس والجن آمرًا له أن يخبر الناس. إذًا إخبار النبي أو أمر الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( {قُلْ} ) . من أجل أن يمتثل هذا الأمر وهو قوله: ( {قُلْ} ) . من أجل أن يخبر الناس بأن دعوته لها حالة معينة بمعنى أنه يجب الاقتداء به حتى في طريقته في الدعوة إلى الله تعالى، ولذلك كما سيأتي الدعوة عبادة، وإذا كانت عبادة حينئذٍ نقول: شأنها شأن الصلاة، وشأنها شأن الزكاة، وشأن الصيام، وشأن الحج، فكما قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . و «حجوا» . أو «خذوا عني مناسككم» . كذلك يقال: ادعوا كما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخذوا عني طريقتي ومسلكي ومنهاجي في الدعوة إلى الله تعالى. ومن هنا يتحقق الإتباع، فإذا تقرر أن الدعوة عبادة لا بد من تحقق الشرطين وهما: الإخلاص، والمتابعة.

ولذلك قال ابن كثير هنا مبينًا لهذه الفائدة في تفسيره وهي تنكيت لما لم يذكره ابن جرير رحمه الله تعالى حيث قال: آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، لماذا يخبر الناس؟ من أجل الاقتداء به، لأن الإتباع إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض، فإذا كان كذلك كما يجب إتباعه في الصلاة كيف صلى، كذلك يجب إتباعه في الدعوة كيف دعا، والتفريق بينهما تفريق بهوى وتَحَكُّم وليس له مستند شرعي، أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، والمراد بالبرهان هنا البرهان العقلي بمعنى أنه يجتمع الدليل الشرعي مع الدليل العقلي، ويكون الدليل العقلي كذلك آتيًا من جهة الشرع، فثَمَّ أدلة شرعية وهي قسمان: خبرية سمعية بمعنى أنها لا تُعرف إلا من جهة السمع، وثَمَّ عقلية سمعية، بمعنى أنه جاء كونه استعمالًا لدليل شرعي من جهة الشرع، ولذلك الأمثال والتشبيهات الواردة في القرآن كلها أدلة عقلية لكنها عقلية شرعية عقلية سمعية، وأما العقلي المحض هذا الذي لا يثبت به شرعنا البتة لا في باب الأصول ولا في باب الفروع، إذًا يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكلّ من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} . أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. وهذا موافق لما ذكره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى حينئذٍ نقول: قوله: ( {قُلْ} ) . هذا أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو للوجوب على أصله، والمراد به كما بين ذلك ابن كثير آمرًا له أن يُخبر الناس أن هذه سبيله، حينئذٍ يخبر الناس من أجل أن يقتدوا به، من أجل أن يبين لهم كيفية هذه الدعوة، فلا يقال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالدعوة أو أن الله تعالى أمر بالدعوة وترك تفاصيل ذلك إلى الخلق واجتهاداتهم، بل يقال كما أمر بالصلاة وأمر بالحج حينئذٍ بين كيف نصلي وبين كيف نحج كذلك بين كيف ندعو. ( {هَذِهِ} ) المشار إليه كما عليه أكثر المفسرين أنهم أرجعوا الإشارة إلى الدعوة، أي: الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها، والدعوة إلى الله المراد بها على جهة الإجمال هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله جملة وتفصيلًا، يعني: يُدْعَى إلى الْعِلْمِيَّات ويُدْعَى إلى الْعَمَلَيَّات أو ما يسمى بالأصول والفروع، حينئذٍ كل شرع الله أو ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو محل للدعوة، وتتعلق به الدعوة إما على جهة الفرضية العينية أو الكفائية أو على جهة الاستحباب، وهي مراتب الدين الثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان، وهي الدين كله كما جاء في حديث جبريل الصحيح «هذا جبريل جاءكم» . أو «أتاكم يعلمكم دينكم» . حينئذٍ الدين الذي بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا لجبريل في أسئلته المعلومة ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ كلُّ ذلك محلّ للدعوة، فالواجب العيني واجب عيني، والواجب الكفائي كذلك كفائي، والمستحب مستحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت