فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 2014

ثم هذه الدعوة التي بينا على جهة الإجمال أنها دعوة إلى الدين كله بمراتبه الثلاث لها أصل ولها فرع، فأصلها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا متفق عليه بين الرسل والأنبياء وأتباعهم ممن أحسنوا الاقتداء بالأنبياء، وما عدا ذلك فهو متفرع عن هذا الأصل الأصيل وقائم عليه، إذ لا تصح عبادة البتة لم تقم على التوحيد، وحينئذٍ الأصل مقدم على الفرع من جهة الشرع، فلا يُدْعَى إلى الفروع وأعني بها الصلاة والزكاة والصيام والحج التي هي أركان الإسلام، وكذلك أركان الإيمان إلا بعد أن يُدْعَى العباد إلى التوحيد ومجانبة الشرك. والرسول - صلى الله عليه وسلم - قام بهذه الدعوة إلى الله تعالى على أكمل الوجوه، وقوله: ( {سَبِيلِي} ) . هذا مفرد مضاف، والسبيل المراد به الطريق وهو يُذَكّر ويُؤَنَّث، أي: طريقي ومسلكي وسنتي. كذا فسره ابن كثير، وزاد البغوي: ومنهاجي. فالمراد بالمنهج حينئذٍ موافق للطريقة والمسلك والسنة، حينئذٍ دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها منهج ولها طريقة ولها مسلك ولها سنة، دلَّ ذلك هذا النص، ثم تفاصيل هذه المسالك إنما تؤخذ من سيرته عليه الصلاة والسلام، ما جاء منصوصًا عليه في الكتاب والسنة لا شك أنه نُصَّ عليه كما جاء في الحديث الآتي ذكره «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . إذًا الأولويات هذه مبتوت فيها من جهة الشرع، فليس كل شخص يَدَّعِي أن ثَمَّ ما هو أَوْلَوِيٌّ يجب تقديمه، وأن هذا الأولوي يختلف باختلاف الأزمان والأماكن، لا، وإنما خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا والخطاب له ولكلّ داعية إلى الخطاب لصحابي واحد خطاب لكل الأمة «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه قد قامت له دولة في المدينة وهي قائمة على التوحيد، فكيف بالزمان الذي قد شاع فيه الشرك الأكبر حينئذٍ يتأكد فيه الدعوة إلى لا إله إلا الله. إذًا ( {سَبِيلِي} ) أي: طريقي ومسلكي وسنتي وزاد البغوي في تفسيره: ومنهاجي. وأردت من كلمة منهاجي أن المنهج المراد بها السنة والمسلك والطريقة، فإذا قيل: هذا منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -، نقول: هذه اللفظة ليست محدثة، فقد نص البغوي على ذلك رحمه الله تعالى. فقوله: ( {هَذِهِ سَبِيلِي} ) . مبتدأ وخبر، وهنا عَرَّفَ الجزأين فيفيد الحصر والقصر، بمعنى أن هذه الدعوة هي سبيلي ما عداها ليس من سبيلي، ليس من طريقتي وليس من منهجي، وما لم يكن من منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ما هو؟ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . حينئذٍ كلّ ما لم يكن من منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريقته في الدعوة فهو بدعة للنص الذي معنا، وجهه أن قوله: ( {هَذِهِ سَبِيلِي} ) . مبتدأ وخبر، وعَرَّفَ الجزأين، وتعريف الجزأين عند كثير من البيانيين من صيغ الحصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه، إثبات الحكم في المذكور أي هذه الدعوة هي طريقتي ومنهاجي، ونفيه عن ما عداه ما لم يكن من دعوتي فليس من منهاجي وطريقتي ومسلكي، وكل ما لم يكن من منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو بدعة [لأن الوحي] [1] لأن الدين محصور في الوحي، الدين الإسلام محصور في الوحي كتاب وسنة والإجماع والقياس مردودان للكتاب والسنة، فكل ما لم يكن من الوحي حينئذٍ ليس من الدين، قاعدة مطردة كل ما لم يكن من الوحي ما لم يدل عليه برهان من الله عز وجل وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه فليس من الدين، وإذا لم يكن من الدين فهو باطل يكون مردودًا على صاحبه، إذًا هذه فائدة تعضد عليها بالنواجذ.

قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . ( {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) قال بعضهم: هنا الوقف تم الكلام، ثم جاء الاستئناف ( {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ) قيل: تم الكلام هنا ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) ثم استأنف ... ( {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ) وهذه الجملة أدعو إلى الله لها احتمالان من حيث الإعراب:

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت