فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 2014

المسألة الثانية: (التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) وهذا لقوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . أي ليعبد الله وحده لا لشيء آخر من تحصيل جاهل ومنزلة عند الناس وغيرهما، فإن ذلك ينافي الإخلاص إما من أصله فيكون مشركًا وإما في كماله الواجب فيكون فاسقًا، فهو متردد بين ماذا؟ بين الشرك وهذا إذا فات الإخلاص وإما أن يكون فاسق لأن تارك الواجب المصر على ذلك يكون من أهل الفسق، وهذه هي القاعدة الثانية من قواعد الدعوة إلى الله تعالى وهي الإخلاص فيما يدعو إليه، إذ الدعوة عبادة وهذا أمر مقرر عند أهل العلم ويدل على ذلك هذه الآية التي معنا لأن الله تعالى بين أنها منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأثنى على الرسل بذلك وأثنى على أتباع الرسل ولا يُثني إلا على ما هو عبادة، كذلك قوله: «فليكن أول ما تدعوهم» . أمر ولا يأمر إلا بما هو عبادة كذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] . إلى غير ذلك من الآيات فكل فضيلة رتبت على الدعوة كما في قوله الآتي: «لأن يهدي الله بك رجلًا» . ... إلى آخره وكل أمر للدعوة دل على أنه عبادة ولا بد من تحقق شرطين اثنين مجمع عليهما في الدعوة وفي غيرها أن تكون خالصةً لوجه الله، وأن تكون على وفق سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا تضمنته المسألة الأولى كأنه قال لك في المسألة الأولى وجوب المتابعة في هذه العبادة، وفي المسألة الثانية وجوب الإخلاص فأشار إلى الشرطين وقدم المتابعة على الإخلاص، فإن أخل بالأول وهو الإخلاص كان مشركًا، وإن أخل بالثاني كان مبتدعًا، إذًا هذه قاعدة نبوية وهي أن الإخلاص شرط في تحقيق الدعوة، إذًا الدعوة القائمة على الأحزاب والجماعات ليست بدعوة شرعية، لماذا؟ لأنها لم يلتزم فيها الدعوة إلى الله وإنما دعوة إلى أحزابهم أولئك يدعون إلى أصول الست، وأولئك إلى مثلًا قاعدتهم البدعية.

المسألة الثالثة: (أن البصيرة من الفرائض) هكذا قال المصنف، وهذه قاعدة بمعنى أنه لا يدعو إلا على بصيرة، والجاهل لا حظ له ولا نصيب له من الدعوة، حينئذٍ كل من دعا وهو جاهل هل هو متابع؟ الجواب: لا، هل هو على طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الجواب: لا، لماذا؟ النص معنا، لكن الناس يحفظون هذه الآية ويرددونها وعند التطبيق لا تجد شيئًا ( {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} ) يعني على علم ويقين فمن لم يكن عالمًا فليس له نصيب من الدعوة، والعلم يتجزأ ويتبعض وهذا لقوله: ( {عَلَى بَصِيرَةٍ} ) . أي أن يكون الداعي عالمًا بما يدعو إليه، قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم. يعني: هذه الدعوة النبوية قائمة على أصلين اثنين.

الأول: الإخلاص.

والثاني: العلم.

وكلاهما يعتبران قاعدة واحدة أو قاعدتين، لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص أو عدم العلم، إذًا الدعوة قد يعترضها ما يفسدها وإذا كان كذلك خرجت عن أصلها الشرعي لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله: ( {عَلَى بَصِيرَةٍ} ) . والكلام له رحمه الله ليس المقصود به العلم بالشرع فقط، بل يشمل العلم بالشرع والعلم بحال المدعو والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود وهو الحكمة، فالعلم حينئذٍ يتعلق بثلاث أمور: بالشرع لأنه حكم الله تعالى فلا بد أن يكون عالمًا به، بحال المدعو، كذلك بالسبيل الموصل إلى المقصود هل يكون باللين أو بالشدة أو بالمجادلة أو بالموعظة الحسنة ونحو ذلك، فيكون بصيرًا بحكم الشرع وبصيرًا بحال المدعو وبصيرًا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن مراتب الدعوة ثلاثة أقسام وذلك بحسب حال المدعو:

-فإنه إما أن يكون طالبًا للحق محبًا له مؤثرًا له على غيره إذا عرفه هذا جاهل لكن لو بُيِّنَ له الحق لقبله فهذا يُدْعَى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة وجدال.

-وإما أن يكون مشتغلًا بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت