وإما أن يكون معاندًا يعني: صاحب شبهة عالم صاحب ضلالة حينئذٍ يكون معاندًا معارضًا فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن، وهذه دلت عليها الآية وهي قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وهذه ليست محلها شيء واحد وإنما تختلف باختلاف الأحوال، والحاصل بالنسبة للمسألة أن البصيرة هي العلم واليقين، وزاد في التفسير: البرهان. أي: العقلي، كما ذكره ابن كثير في تفسيره، فالعلم هو الشرعي، والبرهان هو العقلي وهذا إذا اجتمعا لكن تعرض هنا المصنف رحمه الله تعالى في هذه المسألة ليس إلى البصيرة فحسب، وإنما إلى حكم البصيرة قال: (أن البصيرة من الفرائض) . يعني فرائض جمع فريضة والفريضة مرادف للواجب، إذًا من الواجبات، حينئذٍ تعرض المصنف هنا إلى حكم البصيرة وأنها من الفرائض، ما وجه ذلك؟ قال في (( التيسير ) ): ووجه ذلك أن أتباعه - صلى الله عليه وسلم - واجب. إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - واجب أم لا؟ واجب، وهو قد دعا على بصيرة، إذًا صارت البصيرة جزءًا من الدعوة فهي واجبة، فإذا كانت الدعوة واجبة لكوننا مأمورين بمتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي فرض وحينئذٍ هذه الدعوة قائمة على أمرين:
الإخلاص وأشار إليه بقوله: ( {إِلَى اللهِ} ) .
والثاني: العلم وأشار إليه بقوله: ( {عَلَى بَصِيرَةٍ} ) .
قال رحمه الله: ووجه ذلك أن إتباعه - صلى الله عليه وسلم - واجب وليس أتباعه حقًّا إلا أهل البصيرة. أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًّا هم أهل البصيرة، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه، فتعين أن البصيرة من الفرائض وهذا واضح فقد جعل الله تعالى أتباعه أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - هم من كان على بصيرة ودعا إلى الله تعالى على بصيرة، ومن ليس كذلك فليس منهم حقيقة دل ذلك على أنها من الفرائض لأن إتباعه - صلى الله عليه وسلم - فرض، فكذلك ما كان متعلقًا بما تُوبع فيه عليه، فالدعوة بعلم فرض، وقد سبق النقل عن ابن القيم رحمه الله تعالى أن البصيرة هي أعلى درجات العلماء، أليس كذلك؟ سبق عن ابن القيم أن البصيرة هي أعلى درجات العلم، فحينئذٍ لا يدعو إلا على بصيرة بأن يكون من أعلى درجات العلماء، أليس كذلك؟ لو مشينا على هذا على كلام ابن القيم وهي أن البصيرة هي أعلى درجات العلماء، حينئذٍ نزلت عن هذا الكرسي، أليس كذلك؟ فنقول: كلام ابن القيم رحمه الله تعالى محمول على مستحب ليس على الفرض توفيقًا بين كلامه للعلم، لئلا يظن بأن البصيرة التي هي فرض بأن يكون قد حصل على أعلى الدرجات وهو درجات الصحابة، سبق عن ابن القيم أن البصيرة هي أعلى درجات العلماء وهي التي تكون نسبة المعلوم فيها كنسبة المرء إلى البصر ولكن تفسير البصيرة بهذا من باب الكمال، فالبصيرة درجات لا شك أن العلم درجات كما ذكرنا منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب، وليس المراد هنا من الفريضة ما أراده ابن القيم رحمه الله تعالى وإلا لتعذرت الدعوة إلى الله أو كادت خاصةً في هذا الزمان، وإنما أراد المصنف رحمه الله تعالى مطلق العلم لا العلم المطلق، أراد ماذا؟ مطلق العلم، يعني: أصل العلم الذي هو فرض عين، لا العلم المطلق الكامل وهي التي تعتبر فرض عين يعني: مطلق العلم، أما الكمال فهو فرض كفاية فهو العلم المطلق، وأما مطلق العلم فهو فرض عين على كل من دعا أن يدعو إلى شيء له به علم، وهذه القاعدة من قواعد الدعوة إلى الله تعالى، وهي أن يكون الداعية على علم لا على جهل، فالجاهل هذا يُحَذّر منه هذا هو الأصل، يُناصح بأن يترك ما هو عليه حينئذٍ نقول: قد سلكت مسلكًا ليس لك، وإنما يشترط في الداعية أن يكون على علم على بصيرة، وأما الجهال وأشباه الجهال فأولاء ينهون عن الدعوة.