المسألة الرابعة: (من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة) لقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . وذلك أنه نزه الله جل في علاه أن يكون له شريك فدل ذلك على أن إفراده بالعبادة الذي هو التوحيد حسن مطلوب ومأمور به، {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} هذا تنزيه لأن المسبة المراد بها النقص والعيب، حينئذٍ نزه الله عن العيب والنقص لماذا؟ لأن اتخاذ الشريك مع الله تعالى في ملكه أو في عبادته هذا يعتبر نقصًا، لأن الشرك كما مر معنا ابتداءً أنه قائم على التشبيه، تشبيه الخالق بالمخلوق أو تشبيه المخلوق بالخالق، والتشبيه نقص، فحينئذٍ التوحيد الذي هو مباينة الشرك وأهله يعتبر حسن، ولذلك قال: (من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة) . عن النقص لأن التوحيد فيه إخلاص العبادة لله لأنه يدل على أنه الإله المطلق الذي لا يجوز أن تصرف العبادة لغيره جل في علاه، فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله وقوله: (عن المسبة) . وهو النقص والعيب، أي وعن المماثلة، يعني مماثلة الخالق للمخلوق، إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقص وقد سبق معنا أن الشرك قائم على التشبيه بنوعيه.
المسألة الخامسة والأخيرة: (أن من قبح الشرك أنه مسبة الله تعالى) من قبح الشرك لأنه مقابل له، وقد يأتي معنا بيان أن التوحيد من أدلته الشرع وهو التي تقوم أو الذي يقوم أو تقوم به الحجة على الخلق، وكذلك الفطرة والعقل، العقل يدل على أنه يجب إفراد الله تعالى بالعبادة، فحينئذٍ دل على التوحيد وإخلاص العبادة لله أدلة منها الشرع وهو الذي تقوم به الحجة على الخلق، ومنها الفطرة، ومنها العقل، فالعقل يدل على حسن التوحيد، وكذلك الشرك الذي هو صرف العبادة لغير الله دل على قبحه، قبيح لأن الله تعالى نهى عنه ولا ينهى عن الشيء من كل وجه إلا إذا كان قبيحًا من كل وجه، وفيه مفسدة خالصة من كل وجه، دل ذلك على أدلة منها الشرع، ومنها الفطرة، ومنها العقل، فالعقل مساند في إثبات حسن التوحيد، وهو كذلك مساند في بيان قبح الشرك فهما متقابلان، فما دام أن الله تعالى أمر بالتوحيد فهو حسن مطلوب في ذاته مأمور به في ذاته، وإذا نهى عن الشرك فهو قبيح في ذاته منهي عنه لذاته، (أن من قبح الشرك أنه مسبة الله) لقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} . معناه وقل تنزيهًا لله أن يكون له شريك أو معبود سواه، فلما نزه نفسه عنه دل على قبحه وهذه قاعدة خامسة وهي الدعوة إلى ترك الشرك، لماذا؟ لأنه مسبة لله عز وجل دعوى النقص والعيب والمشابهة والمماثلة أن يماثله أو يشابهه شيء من مخلوقاته، فصرف نوع من أنواع العباد لغير الله هذا قدح في إلهية الرب جل وعلا، وسب ونقص للرب جل وعلا وهو الواحد الكامل من كل وجه، حينئذٍ الاشتغال ببيان الشرك، وتحذير الناس من الشرك، وبيان أنواع الشرك هو لب الدعوة ليس باشتغال بما هو من الجزئيات لا من الكليات كما يقول البعض، أو من الفرعيات لا من الأولويات كما يقول أهل البدع، نقول: هذا باطل، وهذا دل على هوى في نفوسهم، بل الاشتغال بالدعوة في تعليم الناس بالتوحيد هو الأصل، وكذلك النهي عن الشرك وبيان كل ما يتعلق بالتوحيد والشرك هو لب الدعوة النبوية، وهي التي عليها الرسل أجمعون.