قوله: ( «فليكن أول ما تدعوهم إليه» ) أي فليكن أو الذي تدعو أهل الكتاب إليه فالضمير يعود إلى ( «أول» ) ، ( «فليكن أول ما تدعوهم» ) أي تدعوا أهل الكتاب ( «إليه» ) أي إلى ذلك الأول ( «شهادةَ» ) انظر هنا أعاد الضمير إلى ( «أول» ) ، و ( «أول» ) هنا مبهم، أليس كذلك؟ ( «أول» ) مبهم فوقع فيه إبهامٌ وعاد الضمير إليه من أجل التشويق إلى معرفة ما هو هذا الأول، حينئذٍ إذا جاء شهادة أن لا إله إلا الله يقع في النفس موقعه عند التصريح به، وهذا ما يسمى بالتشويق بعد الإبهام، والأول بلسان العرب هو الذي يترتب عليه غيره، هكذا في المفردات، وفي (( مختار الصحاح ) ): والأول ضد الآخر. فبين الحديث أن أول واجبٍ يُدعى إليه هو التوحيد، وهذه قاعدة وأصلٌ من أصول وقواعد الدعوة إلى الله تعالى، وهذا محل إجماعٍ من السلف.
قال في (( التيسير ) ): وفيه دليلٌ على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، هو أول واجبٍ فلهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ... {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] . وهذا معنى التوحيد توحيد الإلوهية، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ... [النحل: 36] . وكل الرسل تقول لأقوامها {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] ، وكذلك قول نوحٍ عليه السلام {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ} [هود: 26] هذا تفسيرٌ لا إله إلا الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأدل ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فبذلك. يعني: بهذه الدعوة، يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًّا والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه يعني: تواطأ القلب واللسان فقد دخل في الإيمان. يعني: ظاهرًا وباطنًا، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان. ثم قال: وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافرٌ باتفاق المسلمين باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء. إذًا لا بد من قولها، ثم لا يكفي قولها فحسب، وإنما لا بد من الاعتقاد وأن يتبع الاعتقاد العمل، لأن عدم العمل يدل على عدم وجود الاعتقاد، فلا بد من هذه الأركان الثلاثة.