وقال ابن أبي العز شارح الطحاوية: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق وأول مقامٍ يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل، ثم أورد الشواهد من الوحيين إلى أن قال: ولهذا كان الصحيح أن أول واجبٍ يجب على المكلَّف شهادة أن لا إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك، لا النظر، النظر المراد به النظر الاصطلاحي تدقيق في أمورٍ معلومة للتوصل إلى مجهول .. #1.02.37 إلى آخره دليلٌ عقلي، ولا القصد إلى النظر الذي هو جزءٌ من أجزاء النظر، ولا الشك يعني: في وجود الله عزَّ وجل. فهذه ثلاثة أقوال لأرباب البدع وسيأتي مستندهم الذي سندوا عليه، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم بل أئمة السلف كلهم متفقون إجماع كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يأمر بتجديد ذلك عقب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميَّز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحدٌ منهم على وليه أن يخاطبه حين إذًا بتجديد الشهادتين وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق المسلمين ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى الذي أدى هذا الواجب قبل ذلك. يعني: قبل البلوغ، فالصبي تابعٌ لوالديه فإن كان مسلمًا، فإن كان والداه مسلمين حكمه حكمهما، وإن كانا كافرين حينئذٍ حكمه حكمهما، فمن نشأ في بلاد الإسلام قبل البلوغ نقول: أول واجب، أليس كذلك؟ النطق واجب، ولا شك أن الواجب حكمٌ تكليفي، والذي يكلف من هو؟ البالغ العاقل إذًا الصبي الذي نشأ على الإسلام وهو موحد على التوحيد يعتقد بالتوحيد إذا بلغ هل يقال له قل لا إله إلا الله؟ الجواب: لا، لا يقال له ذلك، لماذا؟ لأنه نشأ على التوحيد حينئذٍ ... ( «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ) في الكافر الأصلي، أو المرتد الذي فعل ناقضًا لنواقض هذه الكلمة، يكون الخطاب لمن للكافر الأصلي المشرك أو لمن فعل ناقضًا من نواقض لا إله إلا الله، فإن كان كفره لا يرجع إلى إهدار هذه الكلمة حينئذٍ - المرتد يعني: الذي كفر بعد إسلامه فلا يطالب في الأصل بقول لا إله إلا الله - وإنما يطالب بما أخرجه من الدين، واضحٌ هذا؟ حينئذٍ المرتد هل كل مرتدٍ يقال له قل لا إله إلا الله؟ الجواب: لا، وإنما يقال قل لا إله إلا الله من أجل الرجوع إلى الإسلام إذا كان فعل ناقضًا من نواقص هذه الكلمة بمعنى أنه أتى بشركٍ ونحوه، وأما إذا كان مثلًا كفره بتكذيب الرسل مثلًا أو بالطعن في الملائكة أو الاستهزاء بالأنبياء ونحو ذلك حينئذٍ لا يرجع إلى الإسلام إلا بمعرفة أو التصريح بقدر الأنبياء، وكذلك الملائكة ولا يقال له قل لا إله إلا الله، وهذا خللٌ ينبغي التنبه له، إذًا الصبي إذا بلغ لا يقال له قل لا إله إلا الله مع أننا قررنا أن قوله: ( «فليكن» ) . هذا واجب والمراد به أول الواجبات لكن نقول الصبي غير مكلف، فإذا كلف لا يُلزم بهذا القول، لأنه نشأ على التوحيد نشأ على الإسلام وإنما يخاطب بهذا القول من لم يأت به أصلًا، أو أتى به ثم جاء بناقضٍ ولا يرجع الإسلام إلا بتصريح بالشهادتين، بخلاف من خرج من الإسلام بغير قادحٍ لهذه الشهادة، حينئذٍ التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخرُ ما يُخرج به من الدنيا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . فهو أول واجبٍ وآخر واجبٍ، وهو أول الأمر وآخره، يعني: توحيد الإلوهية وليس المراد مطلق التوحيد إنما المراد به التوحيد الخاص وهو توحيد الأوهية، هنا النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أنه لا يدخل في الإسلام إلا بشهادتين لِمَن لم يأت بهما، وهنا مسألة يذكرها بعض أهل العلم وذكرها شارح الطحاوية وهي من صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلمًا أم لا؟ هل يدخل في الإسلام بغير الشهادتين؟ لو قام فأذن أو صلى أو حجّ مع المسلمين على الطريقة المعهودة طريقة أهل الإسلام، التي من خصائص الإسلام، أو صام رمضان صيام رمضان من خصائص هذه الأمة ليس مطلق الصيام وإنما الصوم الخاص، لو فعل الصوم فقط فهل يدخل فيه بالإسلام أو لا؟