الثاني: أن هذا اللفظ له معنى وله حقيقة، هذه الحقيقة لم يدعها الله عز وجل لأحدٍ من البشر أن يفسرها، وإنما فسرها هو جل وعلا في كتابه، وكذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهذا الحديث مما يُفسر به لا إله إلا الله. إذ التوحيد هو شهادة أن لا إله إلا الله وهو عبادة الله تعالى وحده دون ما سواه، حينئذٍ ليس للبشر مهما علت مراتبه في العلم ليس له مدخلية في فهم مدلول التوحيد، بل هو توقيفي من حيث اللفظ وهو توقيفي من حيث المعنى، كما أنه لا يجوز لعالمٍ مهما علا شأنه وارتفع كعبه أن يأتي بقولٍ في الصلاة لم يدل عليه دليل، أو فعلٍ في الصلاة لم يدل عليه دليل، لأن الصلاة كلها توقيفية من حيث الأقوال ومن حيث الأفعال، فلا يزيد فيها حرفًا واحدًا إلا بدليلٍ واضحٍ بَيّن قد أذن به الشارع وإلا كان مبتدعًا في ذلك القول أو في ذلك الفعل مفهوم التوحيد كذلك، والمفاصلة بين الفروع والعلميات بأن الفروع يقال فيها بأنها توقيفية وأنها حقائق شرعية، ثم إذا جئن في العلميات كالإيمان والإحسان والإسلام والتوحيد فسرناه على أهوائنا. نقول: هذا تفريقٌ بين مُتماثلين وهو مردودٌ على صاحبه. ثم قال: ( «فإن هم أطاعوك لذلك» ) هذه فيها بعض الروايات كما سبق بيانه، وفي روايةٍ «فإن هم أجابوك لذلك» . «فإن هم أجابوك لذلك» وفي روايةٍ عند البخاري «فإذا عرفوا ذلك» والمشار إليه التوحيد، وفي روايةٍ رابعة «فإذا عرفوا الله» . قال الحافظ رحمه الله تعالى في (( الفتح ) )الجزء الثالث عشر: واستُدل بقوله: «فإذا عرفوا الله» بأن معرفة الله بحقيقة كُنْهِهِ ممكنةٌ للبشر، وهذا الإطلاق فيه إجمال، حينئذٍ لا بد من الاستفصال هل المراد هنا معرفة الله تعالى بحقيقة كُنْهِهِ، وأن المراد أن له ذاتًا موجودة وأن له أسماءً وصفات حينئذٍ يسلم له، وأما إدراك حقيقة الذات وإدراك حقيقة الأسماء والصفات هذا باطلٌ مردودٌ على صاحبه. قال رحمه الله تعالى: فإن كان ذلك. أي: القول مقيدًا بما عَرَّفَ به نفسه من وجوده جل وعلا وصفاته اللائقة من العلم والقدرة والإرادة مثلًا وتنزيهه عن كل نقيصةٍ كالحدوث فلا بأس به، نعم عَرَّف الله عز وجل «فإذا عرفوا الله» أنه موجود جل وعلا وجوده لا يماثل وجود المخلوق وأن له صفات وأسماء، ولهذه الأسماء والصفات حقائق، ولكن لا ندرك تلك الحقائق فحينئذٍ لا بأس بهذا المعنى، فأما ما عدا ذلك فإنه غير معلومٍ للبشر وهو الحقائق، ولذلك نقول: مذهب السلف رحمهم الله تعالى هو إثبات المعاني الدالة عليها من حيث الأفعال، وكذلك مدلول الصفات، الألفاظ الدالة عليها كالعليم والسميع ونحو ذلك، وأما الحقائق فهي مفوضة إلى الله تعالى، فالسلف يفوضون إدراك الحقائق وأما المعاني فهي ثابتة واضحة بينة وإليه الإشارة في قوله: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] أن الله تعالى لا يدرك كُنْهَ ذاته أحدٌ البتة ولا يُدْرِك حقيقة صفاته على الوجه اللائق به إلا هو جل وعلا، فإذا حمل قوله: «فإذا عرفوا الله» على ذلك كان واضحًا مع أن الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه - صلى الله عليه وسلم - نطق بهذه اللفظة وفيه نظر، لأنه حتى في الذي سبق معنا «شهادة أن لا إله إلا الله» ، ( «أن يوحدوا الله» ) ، «عبادة الله» نقول: هذه ثلاثة ألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - نطق بواحدةٍ منها ولعل الأشهر والله أعلم والأكثر هو «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» ، حينئذٍ رووا الصحابة هذه اللفظ الشهادتين بمعانٍ ترادفها أو بألفاظٍ ترادفها وهي التوحيد والعبادة، كذلك «فإذا عرفوا الله» «وإذا عرفوا ذلك» ، «فإن أجابوك» ، «فإذا عرفوا الله» أربعة ألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينطق بها لأن القصة واحدة، ودائمًا القول بأنه إذا تعدد القصص هذا ليس مسلمًا، وإنما يقال: بأن القصة واحدة فحينئذٍ لا بد من الترجيح إذا اختلفت المعاني، وأما إذا كانت متوافقة وليس بينها اضطراب أو اختلاف لا بأس تثبت.