فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 2014

نقول هذا وذاك ويحتمل ذا ويحتمل ذاك، وأما إذا كان بينها تضارب في المعنى فلا بد من الترجيح فحينئذٍ لابد من تقديم إحدى الروايات على الأخرى، وهنا لا يمنع «فإن أجابوك» ، ( «فإن هم أطاعوك لذلك» ) ، «فإذا عرفوا الله» ، «وإذا عرفوا ذلك» لكن من استدل بقوله: «فإذا عرفوا الله» بما يَشِين حينئذٍ يرد عليه بفهمه السقيم، ولا يقال: بأن الرواية هذه باطلة من أصله لأنه يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا أو ذاك، لكن المشهور ( «فإن هم أطاعوك لذلك» ) هذا المشهور الأكثر، وعليه «فإذا عرفوا الله» نقول: يحتمل أنها من قول الصحابي رضي الله تعالى عنه، لذلك قال ابن حجر هنا: مع أن الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه - صلى الله عليه وسلم - نطق بهذه اللفظة وفيه نظر، لأن القصة واحدة، ورواة هذا الحديث اختلفوا هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره، فلم يقل - صلى الله عليه وسلم - إلا بلفظٍ منها، ومع احتمال أن يكون هذا اللفظ من تصريف الرواة فلا يتم الاستدلال مع أن الأكثر رووه بلفظ «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك» أكثر الرواة على هذا، وقد يقال: بأن الأكثر مقدم على غيره، ومنهم من رووه أو رواه بلفظ ( «ادعهم إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك» ) ومنهم من رواه بلفظ «ادعهم إلى عبادة الله فإذا عرفوا الله» ووجه الجمع بينها أن المراد بالعبادة التوحيد إفراد الله تعالى بالتوحيد، والمراد بالتوحيد الإقرارُ بالشهادتين والإشارة بقوله: ( «ذلك» ) إلى التوحيد، وقوله: «فإذا عرفوا الله» أي: عرفوا توحيد الله تعالى، والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الروايات، إذًا لا خلاف في الروايات من حيث المعنى. فبذلك يُجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة. وبالله التوفيق هكذا قال رحمه الله تعالى.

وهذه اللفظة «فإذا عرفوا الله» تمسك بها المتكلمون الذين لم يجعلوا الوحيين نصب أعينهم إنما جعلوا العقل مقدمًا على النقل، حينئذٍ تمسكوا بأدنى ما يُمكن أن يتمسك به كما ذكرنا مرارًا أن أهل البدع إذا قالوا: ببدعتهم سواءً كان في العلميات أو في العمليات أو في الآداب أو في السلوك لا بد وأن يبحث عن شيءٍ يتمسك به من الكتاب والسنة، لا يمكن أن يأتي ببدعة ويقول: هذه من عندي هذه من كيسي؟ لا، لا بد وأن يتمسك بأدنى ما يُمكن أن يفيد لفظٌ ما من القرآن أو من السنة بأن قوله الذي ادعاه قد دلّ عليه ذلك اللفظ، وهنا تمسك بعضهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - مع كونها لم تثبت أنها جزمًا من قوله عليه الصلاة والسلام، لكن على الاحتمال «فإذا عرفوا الله» تمسك بها من قال: أول واجبٍ المعرفة، والمعرفة هي إدراك المعلوم لأنها مرادفةٌ للعلم. معرفة من؟ معرفة الخالق جل وعلا، وبذلك قال إمام الحرمين واستدل بأنه لا يتأتى الإتيان بشيءٍ من المأمورات على قصد الامتثال ولا الانكفاف عن شيءٍ من المنهيات على قصد الانزجار إلا بعد معرفة الآمر والناهي، إذا أمره بالتوحيد لا يمتثل للتوحيد حتى يعلم من الآمر هذا، يثبت وجوده أولًا، ثم صفاته وأسماءه ثم بعد ذلك يمتثل للتوحيد، فأولًا معرفة الخالق جل وعلا، وهذا ينبني عليه الانصباب على معرفة حقيقة التوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، لكن على طريقة المتكلمين. بمعنى: إثبات الخالق جلا وعلا بالأدلة العقلية، الاستدلال على الأدلة العقلية على وجوده وكذلك على الصفات التي يأذن بها العقل بأن يتصف بها الخالق جل وعلا. إذًا أول واجبٍ هو المعرفة معرفة من؟ معرفة الآمر والناهي إذا لا يتأتى الامتثال ولا الانكفاف إلا بعد معرفة من الآمر ومن الناهي، وهذا إنما يكون بمعرفة وجوده أولًا ثم ذاته ثم معرفته بأسمائه وصفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت